يضع المخرج الإماراتي خالد علي اللمسات الأخيرة على فيلمه الجديد “الكشتة” قصة علي البارود وبطولة وليد محمد ومحمد البصري وعبيد خلف وحمدان الحوسني وشهاب وخالد أنس وتبلغ مدة الفيلم خمس عشرة دقيقة، وتم تصويره في منطقة وادي العجيلي في كلباء وبميزانية تتجاوز الخمسين ألف درهم كأول فيلم رعب إماراتي سيشارك في مهرجانات عربية مثل القاهرة وبيروت والبحرين بينما يتحفظ مخرجه على المشاركة في مسابقة “أفلام من الإمارات” التي تقام ضمن فعاليات مهرجان دبي السينمائي الدولي لأن الجوائز  على حد قوله  توزع فيه وفقاً للأهواء والصداقات والعلاقات الشخصية. ومعه كان اللقاء الذي باح لنا فيه بالمزيد من همومه كسينمائي إماراتي، كما تحدث عن التحديات والصعوبات التي اعترضت طريق تصويره لأحدث أفلامه “الكشتة” وعن تفاصيله يقول:

منذ نحو عام ونصف العام عرض عليّ المؤلف علي البارود سيناريو فيلم “الكشتة” الذي تدور أحداثه حول خمسة شباب يقررون الذهاب في رحلة لكن بطل العمل عبيد الذي يلعب دوره الفنان وليد محمد يرفض الذهاب معهم في هذه النزهة لكونه انطوائياً ولا يحب التجمعات، وتحت إصرار المجموعة يضطر للذهاب معهم على مضض وبينما هم يستمتعون بجمال الطبيعة من حولهم إذ به يتفرغ لملاحقة بعض التفاصيل المرعبة في المكان كالهياكل العظمية لبعض الأشخاص والحيوانات ليتسرب الخوف إلى قلبه وعقله الذي يبدأ في تخيل العديد من مشاهد الرعب التي سرعان ما تنقلب الى حقيقة فيظهر لهم وحش كاسر ملامحه غريبة ويبدأ في قتلهم واحداً تلو الآخر الى ان يتبقى عبيد بمفرده في مواجهة هذا الوحش والسؤال الذي يطرح نفسه هنا من سينتصر في النهاية، عبيد أم الوحش؟ وأعجبتني فكرة العمل خاصة أنها المرة الأولى التي يتم فيها عمل فيلم رعب إماراتي قصير، وقمت بالاستقرار على منطقة وادي العجيلي في كلباء حيث ذهبنا للتصوير بها لنصطدم بالفعل ببعض الأشباح والعفاريت التي حالت دون اتمامنا لتصوير المشاهد نتيجة لعطل في الكاميرا بات يتكرر بالاضافة لاستماعنا لأصوات غريبة مما جعلنا نوقف التصوير وارسال عدسة الكاميرا لليابان ليتم اصلاحها وهكذا توقف العمل لمدة عام ونصف العام قبل ان نعاود منذ أيام تصوير الفيلم من جديد خاصة بعد ما توفر لنا الدعم المادي من محمد يونس الرفاعي العضو الفخري بجمعية المسرحيين الذي اقتنع بالفكرة على الرغم من علمه بضعف مردودها المادي فذهبنا لوادي العجيلي وقررنا الصمود في وجه الأشباح والعفاريت إلى ان انتهينا من تصوير “الكشتة” في أسبوع وبميزانية تبلغ خمسين ألف درهم.

·         هل الخمسون ألف درهم تكفي لانتاج فيلم رعب يحتاج الى الكثير من التقنيات المكلفة مادياً؟

 نعم، إذ ان هذا المبلغ ينفق على ايجار المعدات التقنية من دون ان يذهب منه شيء لفريق العمل الذي تبرع جميعه تقريبا بأجورهم، وعملوا في الفيلم كمتطوعين رغبة في اثراء السينما الإماراتية بفيلم رعب قصير تبلغ مدته خمس عشرة دقيقة لأول مرة في تاريخها، وأعتقد ان الفيلم سيفوق في مصداقيته العديد من أفلام الرعب المصرية والعربية حيث استعنا بالفنانة سارة التي شاركت في العديد من أفلام الرعب الأمريكية مما جعلها تضفي بلمساتها واكسسواراتها وملابسها المزيد من المصداقية على مشاهد الفيلم فالضربات متقنة ولون الدم اقرب الى الحقيقة وملابس الوحش الذي يلعب دوره الفنان عبيد خلف، غاية في الاتقان.

·         لماذا الاستعانة بوجوه فنية جديدة تقف امام كاميرا السينما لأول مرة لتمثيل فيلم “الكشتة”؟

 من السهل احضار ممثلين محترفين ليلعبوا هذه الأدوار لكن التحدي الحقيقي لأي مخرج يكمن في اكتشاف الوجوه الجديدة فنياً وان تصقل مواهبهم وتجعل منهم أبطالاً ونجوماً، وهنا تكمن المتعة ايضا، كما كان هناك الكثير من التحديات والصعوبات التي واجهتنا ونحن في سبيلنا لتصوير العمل كان منها وجود العقارب والحشرات السامة من حولنا وسماعنا دوماً لأصوات الحيوانات المفترسة التي كادت تقتلنا وبعد منطقة التصوير عن أي تجمع عمراني مما استلزم منا التجهيز لفترة طويلة واصطحاب طبيب معنا في المخيم الذي أقمناه بغرض تصوير الفيلم تحسباً لحدوث أي طارئ في تلك المنطقة المعزولة والنائية، لكن الأمور مرت بسلام، فيما عدا جرح مهندس الديكور محمد شريف الزرعوني في أصبعه أثناء قطعه بعض الأغصان لتجهيز الموقع للتصوير.

·         لماذا غاب العنصر النسائي عن أحداث الفيلم؟

 القصة لا تتحمل أي مشاركة نسائية حيث ان مفهوم الرحلة بالنسبة لنا كخليجيين ينحصر في أن تكون شبابية أو عائلية، أما إذا ما قمنا “بحشر” فتاة في هذا التجمع الذكوري فسنفقد مصداقيتنا وموضوعيتنا الدرامية، كما ستظهرأشياء ومعانٍ أخرى ستشتت المشاهد وتخرجه من اطار الموضوع والقصة المرعبة التي يقوم عليها الفيلم.

·         يبدو ان “الكشتة” مجرد تجميع لمشاهد مرعبة من دون وجود أي رابط درامي بين احداثها ومشاهدها المختلفة، فما ردك؟

 ربما للوهلة الأولى تعتقد ان العمل مجرد تجميع لمشاهد رعب، لكن عقب مشاهدتك له ستقتنع بأنه عمل به خط درامي واضح وفيه تسلسل منطقي للأحداث، وهناك قصة انسانية فريدة تحتوي كل هذه المشاهد، ويكفي في هذا الاطار مشهد عبيد وهو يرى أصدقاءه يقتلون الواحد تلو الآخر حتى إنه وقع مغشياً عليه بالفعل في أحد المشاهد من شدة تأثره واندماجه في العمل.

·         تحدثت عن ضعف المردود المادي لفيلم مثل “الكشتة” فما الهدف من انتاجه إذاً؟

 لا أنظر كثيرا الى المردود المادي، لكن ما يهمني هو خلق فيلم مرعب إماراتي حيث الممثلون إماراتيون يتحدثون اللهجة المحلية والقصة يجري تصويرها على أرض إماراتية، كما اننا وإمعاناً في المحلية والمصداقية لن نستعين بالخلفيات الموسيقية المرعبة المتعارف عليها، لكننا سنعمد الى عمل مؤثرات صوتية نابعة من البيئة كصوت الحجر والأغصان والريح، كما ان الفيلم سيشارك في العديد من المهرجانات السينمائية العربية مثل القاهرة وقرطاج والبحرين وبيروت.

·         وماذا عن المشاركة في مهرجان دبي السينمائي الدولي؟

 أرفض المشاركة في مهرجان دبي السينمائي الدولي وبخاصة في مسابقة “أفلام من الإمارات” التي تمنح الجوائز فيها وفقاً للأهواء والعلاقات الشخصية والصداقات وهذا الكلام ليس اعتباطاً بل نابع عن تجربة شخصية حيث سبق واخرجت فيلماً بعنوان “الغواص والقرش” ليحصد المركز الاول عربياً في مهرجان قرطاج والسادس عالمياً في مهرجان “انتيب” في فرنسا على الرغم من عدم ترجمته الى الانجليزية، ولكن لجنة التحكيم الأجنبية فهمت الفكرة منه ومنحتني عليه الجائزة، أما في دبي فقد تم تجاهله تماماً وعرض على هامش المسابقة والمهرجان.

·         ما جديدك الفني؟

 أنا بصدد البدء في إخراج فيلم بعنوان “خارج السرب” يتناول الهم الاجتماعي اليومي للمواطن الإماراتي لكن ينقصني الدعم المادي خاصة وان القصة شيقة، وفكرتها جديدة وتحتاج الى مخصصات مالية كبيرة حتى تخرج بالشكل اللائق فنياً.

·         اضافة الى الدعم المادي، ما الهموم الأخرى التي تؤرقك كسينمائي إماراتي؟

 الدعم المادي يأتي في مقدمة همومنا كسينمائيين إماراتيين، وعليه فنحن نحتاج لمسؤول كبير يقتنع بنا، وبأننا نقدم قيمة وفناً رفيعاً لا غنى لأي مجتمع يسعى للتقدم والتطور عنه، ليخصص لنا مبلغاً كبيراً من مخصصات وزارة الثقافة مما سيسهم في دعم وإثراء الحركة السينمائية في الدولة، كما نحتاج لنقابة فنية ترعى شؤون السينمائيين وتوزع هذا الدعم المادي بالشكل العادل وأن تمنح تراخيص مزاولة المهنة لكل موهوب ودارس للسينما حتى لا تتحول السينما لمهنة من لا مهنة له، وتجد كل من هب ودب أصبح مخرجاً مثلما يحدث هذه الأيام، كما يجب اختيار مخرجين إماراتيين ليخرجوا الأعمال الدراميةالتي تنتجها مختلف الجهات في دولتنا بدلاً من ان يجلبوا بعض المخرجين العرب لهذا الغرض خاصة إذا ما كان النص خليجياً بحتاً وهنا يفشل المخرج العربي مهما بلغت درجة إبداعه وإتقانه الفني في فهمه أو التعامل معه والاضافة إليه.

الخليج الإماراتية في 20 أبريل 2006

 

"جربافيتسا".. اغتصاب البوسنيات فيلما سينمائيا

أحمد المتبولي *

ظلت عمليات الاغتصاب الجماعي التي تعرضت لها آلاف المسلمات البوسنيات إبان حرب البلقان حبيسة في عقل وفكر الضحايا وأسرهم؛ فهذا الموضوع من المحرمات التي تصمت عندها جميع الألسن. فالضحايا لا يردن التحدث عنها في محاولة لنسيانها أو تناسيها، والآخرون يكفون عن فتح هذا الباب مراعاة للكرامة المجروحة والشرف المسلوب للضحايا وأهاليهم.

ومن خلف جدار "التابو" خرجت البوسنية "إسماعيلا يبانتش" (32 عاما) –من مواليد سراييفو عام 1974- حاملة معول الفن لتحطيم المحرمات أملا في إيقاظ الضميري الإنساني من مواته تجاه هذه القضية الشائكة.

فالسيناريست والمخرجة البوسنية يبانيتش حصلت مؤخرا وتحديدا في فبراير الماضي في إطار فعاليات الدورة الـ 56 لمهرجان برلين السينمائي على جائزة الدب الذهبي عن فيلمها جِربافيتسا Grbavica الذي يجسد معاناة ضحايا عمليات الاغتصاب المنظم بسراييفو عبر تقديمها قصة امرأة بوسنية تعرضت للاغتصاب على يد الجنود الصرب وأنجبت طفلة.

وحصل الفيلم -أيضا- على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وجائزة فيلم السلام التي تمنح هذا العام للمرة الـ21؛ وهي جائزة تدعمها مجموعة السلام البرلينية منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي بالتعاون مع الرابطة الدولية للأطباء من أجل منع الحرب النووية، ومؤسسة هينريش بول الألمانية.

إلى دائرة الوعي

المخرجة يبانيتش التي قالت عقب تسلمها الجائزة مؤخرا في برلين: "أعتقد أن هذا الفيلم سيغير مجرى الأمور في بلادي؛ لأنه أمكن من خلاله التحدث عن أمر محرم؛ عن قضية توارت بين ثنايا عقولنا ومن وسائل الإعلام في آن".

والفيلم يجسد المعاناة التي تكتنف علاقة أم بطفلتها التي هي نتاج عملية اغتصاب تمت أثناء حرب البلقان الثانية، تريد المخرجة يبانيتش في فيلمها المؤلم إعادة مشكلة الاغتصاب إلى دائرة الوعي الإنساني، والتأثير في هذه القضية عبر استعراض كيفية تناول الحكومة والمجتمع لها.

وعرض الفيلم مأساة السيدات اللاتي تعرضن للاغتصاب، وكيف أن لا يتم معاملتهن على أنهن ضحايا حرب أو ضحايا مدنيون، وأنهن لا يحصلن على مساعدات حكومية ولا تتوفر لهن مظلة الحماية القانونية. هذا إلى جانب معاناتهن الداخلية والاجتماعية؛ في ظل ممارسة المسئولين الرئيسيين عن هذه الجرائم لحياتهم بحرية دون عقاب.

حكاية أسما وسارة

تحكي يبانيتش في فيلمها (مدته 90 دقيقة) الذي يحمل اسم أحد أحياء مدينة سراييفو البوسنية، وتحديدا حي جربافيتسا والذي يعني المرأة الحدباء باللغة البوسنية، قصة اسما Esma – التي تشخصها الممثلة الصربية ميريانا كارانوفيتش Mirjana Karanovic – وهي سيدة بوسنية تعيش في ذلك الحي مع ابنتها الوحيدة سارة Sara – لونا ميوفيتش Luna Mijovic- التي تبلغ من العمر 12 عاما.

اسما Esma التي تعرضت للاغتصاب في نفس الحي –الذي كان جبهة عسكرية للصرب بين عامي 1992 و1995- تعمل في الليل كنادلة في أحد الملاهي الليلة، وفي النهار ترعى ابنتها الوحيدة؛ ثمرة الاغتصاب.

الاثنتان تجمعهما علاقة حب عميقة، ولكن في بعض الأحيان تعتري الأم نوبات من الحدة والعصبية لا تجد الطفلة لها مبررا إلا ضغوط العمل والحياة اليومية.

فسارة تعرف عن أبيها من أمها فقط أنه كان بطلا واستشهد خلال المعارك التي كان يخوضها الأهالي ضد الصرب. ولكن يبدأ الشك في التسرب إلى قلبها عندما يعلن في مدرستها عن تنظيم رحلة مدرسية، والشرط الوحيد للاشتراك فيها بسعر رمزي هو تقديم شهادة رسمية تثبت أن الأب مات شهيدا.. ولكن الأم "سما"، بطبيعة الحال، لم تتمكن من إيجاد هذا الإثبات، وبررت عدم وجود تلك الشهادة بأن جثث العديد من الشهداء لم يتم العثور عليها، وهنا تبدأ الأم في مناورات حوارية مع ابنتها، وفي ذات الوقت، تحاول جمع المال اللازم للرحلة المكلفة ماديا؛ حيث تتمكن بالفعل من الحصول على المبلغ المطلوب بعد استجداء صاحبة الملهى الذي تعمل به.

أما سارة والتي تستمع كل يوم إلى قصص الآباء الشهداء من قرنائها في المدرسة تقف صامتة أمامهم عندما يسألونها عن قصة استشهاد أبيها، وهو ما يدفعها إلى الدخول في مشاجرات مع التلاميذ الذين بدءوا يشككون في حقيقة أن أباها من الشهداء.

علاقة متوترة

تصل عقدة الفيلم الدرامية إلى قمتها في مشهد جمع الأم وابنتها؛ حيث تصر سارة في نبرة حادة أن تستمع من والدتها إلى قصة أبيها الشهيد، وفي هذه اللحظة تضطر الأم في انفعال شديد إلى إطلاق كلمات كان وقعها كالرصاص على مسامع ابنتها سارة.. الأب الشهيد ما هو إلا "صربي حقير" اعتدى على الأم إبان الحرب. وهنا تعرف سارة الحقيقة المؤلمة، فتقوم بحلق رأسها تعبيرا عن أن العار طالها كما طال والدتها من قبل.

ويتابع المشاهد العلاقة المتوترة بين الأم والابنة حتى المشهد الأخير من الفيلم عندما تذهب سارة في الرحلة المدرسية لتظهر سارة مسدلة الشعر وهي تستقل الحافلة، بينما تقف الأم لتوديعها.

تستقل سارة الحافلة وتطل من الزجاج الخلفي للسيارة لترى والدتها تلوح لها مودعة، وفي تردد وخجل ترفع سارة يدها من خلف الزجاج ملوحة للأم.

وفي ذلك حالة رمزية تتمثل في أن زجاج الحافلة رمز إلى الحاجز الحائل بين الأم وابنتها بعد الاعتراف، فيما جاء مشهد تلويح الأيدي محملا بإشارة الغفران والقبول.

فالطفلة البريئة سارة هي رمز لسراييفو التي شهدت المآسي والأهوال ولكنها على استعداد لتناسي الماضي في سبيل مستقبل أفضل. كما أن الرحلة المدرسية ما هي إلا إحدى طرق المستقبل الذي ينتظر هذه البلدة.

بداية جديدة

حاولت المخرجة إسماعيلا يبانيتش بمجهود واضح من خلال الإخراج والسيناريو البحث عن بداية جديدة لضحايا الحرب دون خيانة لذكريات الماضي وأحداثه. فهي أرادت أن تخلق من قصة اجتماعية ناعمة موضوعا سياسيا كبيرا، رغم أن السياسة في الفيلم، أخذت جانبا هامشيا لتحتل الدراما الواجهة طوال دقائق الفيلم.

فـالأم "أسما" ظنت أنها تناست ماضيها الأليم، وهو ما لا تريده المخرجة؛ بل تريد فتح الجراح التي لم تندمل بعد؛ حتى يمكن الخطو نحو مستقبل سليم، الذي لا يأتي إلا من خلال معالجة الماضي وجراحه.

فالمرأة التي تتعرض للاغتصاب تشعر أن هذه هي نهاية العالم تماما كمن فقد عزيزا لديه ويعتقد أن العالم توقف من حوله، ولكنه يصحو في اليوم التالي ليجد أن الحياة تسير بصورة طبيعية، وكأن شيئا لم يكن، وكذلك فعلت ضحايا عمليات الاغتصاب في البوسنة. فالفيلم يصورهن في مراكز رعاية المرأة وهن يتجاذبن أطراف الحديث، كما أن أسما تمرح وتأكل وتمارس حياتها بصورة طبيعية.

والطفلة سارة –رمز سراييفو؛ تلك المدينة البريئة- تأبى إلا أن تكون هي مبضع الطبيب الذي يؤلم ليداوي.

فالوقوف على الحقيقة أمر لا مفر منه؛ حتى تقرر على ضوئها ما إذا كانت ستغفر أم تنتقم، لتؤثر الغفران في النهاية. وهذا هو ما تريده يبانيتش وهو: الحب، وتجاوز الماضي بعد معالجة جراحه؛ فجميع شخصيات الفيلم ورغم أنها مجروحة كليمة وتمر بصعاب كثيرة؛ فإنها تحمل الحب في داخلها وعلى استعداد لنقل هذا الحب للآخرين.

فيلم نظيف

"جربافيتسا" هو فيلم من "النوع النظيف"؛ فهو لم يتعرض في أي من مشاهده لتصوير فظاعات الاغتصاب؛ بل تعامل معها معنويا، والسبب في ذلك كما أوضحت يبانيتش أنها لم ترد تسجيل فيلما وثائقيا عن عمليات الاغتصاب الجماعي لنساء البوسنة، وتقول: "لم أرد أن أجعل هؤلاء السيدات يقفن مرة أخرى أمام الكاميرا للتحدث عن مواقف غير طيبة؛ فقد بدا لي ذلك كأنه تصوير لمشاهد جنسية؛ خاصة بعد أن أساءت وسائل الإعلام التعامل مع قضيتهن".

كما عرض الفيلم للحياة الاجتماعية الاقتصادية المتدنية التي تعيشها هؤلاء النساء، فالاغتصاب جريمة في حق الإنسانية، ولكن الإنسانية تولي ظهرها للضحية التي تعيش عالمين؛ العالم الخارجي المتمثل في الحياة اليومية ومعاناتها التي تشمل الجميع، والعالم الداخلي عالم الأحزان الخاص الذي لا تحدث به الضحية إلا لنفسها أو من هن مثلها.

هذان العالمان ما هما إلا نموذج مصغر للحياة في البوسنة؛ حيث يسود السلام في الخارج، بينما تبقى آثار الحرب حية في أعماق من عايشها، الابتعاد عن الحدث ومعالجة آثاره، في نفس الوقت، هو الهدف الذي سعى إليه الفيلم.. فما حدث لا مفر منه، ولكن المعالجة هي الواجب والمنوط به البشرية جميعها.

فـ"جربافيتسا" فيلم يناقش قضية بوسنية، ولكنها قضية عالمية تطال جميع النساء اللاتي يتعرضن للاغتصاب في جميع أنحاء العالم حتى هذه الساعة.

طالع موقع الفيلم:   http://www.coop99.at/grbavica_website/

** صحفي مقيم في النمسا.

إسلام أنلاين في 20 أبريل 2006

النص الكامل لتغطية حدث القصباء في تجمع حميمي على ضفاف القصباء

"مجموعة فراديس" تعرض أفلامها بانحياز كامل للصورة

الشارقة ـ إبراهيم الملا 

أكدت التجارب الفيلمية المحلية التي عرضت على مسرح قناة القصباء ليلة الأربعاء الماضي، على قدرتها في التواصل مع الجمهور الشاب والمتحمس لهذه النوعية من الأنماط البصرية الجادة والمتمكنة من أدواتها، وكان المشهد الحميمي للحوار والنقاش مع المخرجين بعد انتهاء العروض دليلا آخر على استحواذ هذه الأفلام على ذائقة المشاهدة الجديدة وعلى الاقتراحات المهمة التي بدأ يقدمها الفيلم الروائي القصير في الإمارات، ورغم بعض المداخلات القليلة التي حملت في طياتها محاكمات أخلاقية جامدة لبعض المشاهد واللقطات وبعيدا عن السياق الفني والاعتباري، إلا أن جلّ النقاشات دارت حول التفاصيل الفنية وجماليات المشهد البصري وتأويلاته المتعددة والمهيأة لقراءات وتفاسير وأسئلة.  

فمن خلال عرضها لآخر ثلاثة أفلام في مسيرتها السينمائية المكثفة، استطاعت "مجموعة فراديس" أن تراهن مرة أخرى على "الجودة" كمقياس وكمؤشر قادر على تحويل الأفكار والقصص والتوليفات الذهنية إلى صيغة بصرية محتفلة بذاتها، ومنشغلة بصدق على المنطقة البكر في عالم مأهول بالفن التقليدي والمكرر والمنذور للصدأ والنسيان، راهنت تجربة "فراديس" أيضا على السند المرجعي للوعي  المتراكم والنوعي، وعلى قدرة هذا الوعي في رفد الملكات الإبداعية وترجمتها بثقة وإيمان من خلال وسيط بصري مهم مثل "السينما". 

اختارت "مجموعة فراديس" التي يديرها الشاعر "محمد حسن أحمد" ومنذ البداية أن تنقل رؤاها الفنية  إلى أرض الواقع بإخلاص منقطع النظير، ومن دون أن تعيش على قلق الإمكانات الضعيفة والتحديات المرهقة التي يسوقها الآخرون كشماعات جاهزة لتبرير الكسل والخضوع لشرط " العاهات المادية المزمنة"، استطاعت هذه المجموعة المتوهجة أن تضيء بشاراتها رغم كل الدروب المعتمة، وأن تحمل قناديلها الملونة إلى شاشات بحجم المحبة، وبحجم التضحية الكبيرة التي كانت وراء بزوغها.

نعرض هنا وعلى التوالي الأفلام الثلاثة التي قدمتها "فراديس" في مساء انحاز بأكمله لفن الصورة وللإبداع الكامن فيه.

"احتفال بالحياة".. غوص في اللاوعي

يعرض  المخرج"خالد المحمود" في فيلمه "احتفال بالحياة" ما يشبه "المانيفيستو" أو البيان البصري للغيبوبة ولشبهة الموت، حيث ينقلنا الفيلم من لقطة ضاجة بالحياة لشخصية الفيلم ــ يؤدي دورها " عبدالحليم القائد"ـ، إلى لقطة أخرى مليئة بالسكون الظاهري وبالحركة العميقة و اللامرئية في ذات الوقت، وذلك عندما تسقط هذه الشخصية على الأرض في حالة تامة من الشلل الجسدي، يشتغل الفيلم على الحالة التجريدية للذكريات والأخيلة عندما  تتحول هذه الكتلة الثنائية المتنافرة بين الجسد والجثة إلى معركة حقيقية وإلى ساحة تمازج مدمر بين الحلم وبين الكابوس، تمر ريح شديدة على الجسد المسجى وتغمره المياه المتدفقة من المجهول، وكأنه في حالة تماه مع الطبيعة المكتملة بالنقاء والشفافية، تدخل الكاميرا بعدها إلى الأجواء السماوية المشغولة بالطيور وبضربات الأجنحة، وتغمر الشاشة مسحة ملائكية ومديح متواصل لفكرة الطيران والتجلي والسفر نحو فضاء مفتوح على البصر، وعلى خفة الترحال المنفلت من القيد والوزن وثقل الأجساد الأرضية، وعندما تعود الكاميرا إلى (الواقعية الحلمية) نرى صورة لفتاه وهي تطل على شرفة الفراغ أو على ذاكرة مغيبة لعشق قديم.

 يعيد "خالد المحمود" في هذا الفيلم الاعتبار للقيم المفتقدة في الحياة، ويصر على أن ثيمة "الفقدان" هي الثيمة الوحيدة القادرة على إشعال حواسنا من جديد، وعلى إذكاء نار التجربة الحياتية بكل أفراحها المطمورة والمنسية تحت ركام العادة والتكرار والعيش الممتد على أفق واحد، وعلى نمط باهت وفقير ومنزوع من التأملات الروحية الغائبة والتمارين الداخلية المفقودة.

" سماء صغيرة".. نداء الطفولة الغاربة

فاز فيلم "سماء صغيرة" للمخرجين "عبدالله حسن" و"عمر إبراهيم" بجائزة أفضل فيلم خليجي في مسابقة أفلام من الإمارات في دورته الأخيرة، وهو فيلم جدير بهذا الإستحقاق لأن الجرأة التي فرضها سياق النص المكتوب من قبل الشاعر "محمد حسن" هي جرأة مكتملة بشعرية الحدث وبعوالم الأنوثة المبتورة على جهتين، هما جهة الطفولة الغاربة وجهة الأنوثة المتفتحة على حريتها، ورغم المصادرة التي تعاني منها هذه الحرية فإن العاطفة المشوهة التي تجمع الفتاة بوالدها هي العاطفة التي تقاوم باتجاه الظروف الأقدار التي لا يمكن الفكاك منها.

يناور الفيلم داخل النطاق الاجتماعي المسكوت عنه، دون أن يعلو صوت الصراخ العلني والاحتجاج المباشر، لأن الفيلم يعرض قصته بمشهدية سلسة ومتواصلة مع الإرث الحياتي والعقائدي لأب لا يستطيع أن يهجر السلوكيات المسلم بها من وجهة نظره، كما أن الفتاة التي تفتقد وجود الأم، محاصرة هي الأخرى بالألم النفسي الناتج عن انفصالها من البوح الكلامي والجسدي في آن.

يتنقل فيلم "سماء صغيرة" في هذه المساحة الخطرة من التابوهات والمفاهيم المغلوطة والقابلة للجدل والنقاش،وكان  خطاب الفيلم عاليا وواضحا باتجاه التأكيد على قدرة الزمن في فتح نوافذ أخرى على الحياة، وفي توفير فرص جديدة لفراشات الروح كي تبتعد بخياراتها عن كل حدائق السأم واللاجدوى في البيئات المغلقة على عتمتها وصمتها الطويل.     

"مرايا الصمت".. اعتقال كامل للروح

يعرض المخرج" نواف الجناحي" في آخر نتاجاته الفيلمية والمعنونة [ـ(مرايا الصمت) ما يمكن أن نطلق عليه النشيد الشعري والفلسفي لحالات العزلة القصوى التي يعيشها الفنان أو المبدع داخل نسيج المدن القاحلة والمنزوعة من الألفة والتواصل، تم تصوير الفيلم بالأبيض والأسود وهو اللون الذي تراه الملائكة حسب تعبير المخرج الألماني الشهير "فيم فيندرز"، ومن خلال هذين اللونين المحايدين تماما تتجول شخصية الفيلم التي يؤديها "نواف الجناحي" نفسه داخل منظومة كاملة من المعتقلات الإسمنتية العالية والمرصودة مثل أسوار شرسة وخانقة، تتناوب هذه الحالة من الحصر والكبت في كل الأماكن المحتملة للعيش والتحرك، فمن الغرفة السوداء إلى الشوارع المزدحمة بوجوه باهتة ومرورا بالمقهى المليء بأشباح بشرية ووصولا إلى  الخلفية الكابوسية للمسرح الذي تعمل فيه هذه الشخصية المحطمة، تمثل هذه الديكورات المنهارة ما يشبه الحصار المكرر لحركة الحياة الرتيبة والمنهزمة والمنزوعة من البهجة، في إحدى اللقطات المعبرة تمتلئ غرفة الفنان بالبالونات ويمتلئ المشهد ذاته بالألوان الطبيعية، ولكننا نكتشف في النهاية أن الألوان تذوب مجددا في البياض الميت والسواد الأليم، وهناك مشهد آخر نرى فيه الشخصية وهي تحتفل بخرابها من خلال شمعة عزلاء وكأس طافحة بصمت داكن، وحتى المرايا التي من واجبها أن تعكس وجه الشخصية نراها وكأنها تمتص وتستلب ما تبقى من أمل ومقاومة في الخروج من هذا الاختناق الفكري المدمر.

فيلم "مرايا الصمت" هو في النهاية بحث بصري وسؤال حارق عن المتاهة الداخلية للمبدع، وعن التهميش الكبير الذي يأكل من روحه كما تأكل التشققات والشروخ كل احتفال متوقع لشجرة متروكة لقدرها ولوجودها العبثي في صحراء هائلة من النبذ والنكران.  

موقع "مجموعة فراديس" في 20 أبريل 2006

 

سينماتك

 

العفاريت أوقفت تصويره

خالد علي: "الكشتة" أول فيلم رعب إماراتي

حوار: هاني نور الدين

 

 

 

 

سينماتك

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سينماتك