تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

«نجمة ساطعة» للنيوزيلندية جين كامبيون

شاعـر السينمـا أقـل شاعريـة

زياد الخزاعي

وُلدت المخرجة النيوزيلندية جين كامبيون وفي فمها ملعقة المسرح، الذي تربّت في أجوائه وخاضت في درامياته الكبرى. بعد تمرّسها في التقصّي عن أدوار الأنثروبولوجيا في الفنون القديمة، عرجت على الفنون التشكيلية لتمارس حرفتها، قبل أن تخطفها السينما وتحوِّلها إلى أحد رموزها الدوليين ممن تتسابق مهرجانات العالم على الفوز بعرض منجزاتها. هذه الكفاءات المتعدّدة تفسّر غنى بصيرتها، وتعقد مستوياتها البصرية والسردية، ونزوعها ألى أدبية السينما، أي انتصارها إلى مقاربة روح الأدباء وحيواتهم العاصفة والبيئات التي تحاصرهم وتدفع بهم إلى جنون نصوصهم الأدبية وطلقها الإنساني، كما صوّرته في «ملاك على طاولتي» (1990)، حول مصيبة مواطنتها الشاعرة جين فريم، التي دفعتها شخصيتها الانطوائية وفشلها العاطفي إلى إقصاء مدمِّر؛ وإلى الاقتباس الروائي عن قامات كلاسيكية وجدت في نصوصها ضآلة ميولها النسوية ونضالها في ما يتعلق بشؤون الـ«فمنيزيم»، المتجلّي في إخراجها نصّ هنري جيمس «بورتريه لِلاَيدي» (1996) ذي النزعة الأخلاقية، الذي وحّد همّه الإيديولوجي حول الخيانات التي تحيط بطلته الشابة إيزابيل آرشر (الأسترالية نيكول كيدمان) وخطاياها في الحب وسذاجتها في الصداقات.

خيارات مخرجة

خيار كامبيون في نصرة نسائها تجلّى، بقوة نادرة، في نص «درس البيانو» (1993)، الذي جعلها المرأة الأولى والوحيدة التي تفوز بالسعفة الذهبية في مهرجان «كان» ذاك العام، وفيه يتردّد صدى مأساة الشاعرة في «ملاك...»، مثلما يؤسّس إلى حدّ ما التكوين الدرامي الأول لحكاية الحب المؤودة في جديدها «نجمة ساطعة» (المسابقة الرسمية في الدورة الأخيرة في ايار الفائت لمهرجان «كان»). ذلك أن خدعة الدرس الموسيقي التي تدفع الزوجة الخرساء الاسكتلندية آدا (أداء قدير للأميركية هولي هنتر) إلى الزنى مع رجل من الماوري، على اعتبار أن العلاقة الآثمة استكمال لانتقاصها الفيزيولوجي وانتقامها الذاتي من الزيجة المُرغَمة التي أوصلتها إلى أكثر بقاع الأرض عزلة ووحشية وحياة مليئة بالعسف مع رجل جشع، هي ذاتها التي تدفع الشابة الإنكليزية فاني برون إلى تعلّم صنعة الشعر على يد معشوقها الشاعر الرومنطيقي جون كيتس. واذ تخابثت آدا بغية الوصول إلى الحبيب الرعوي باينيز وتحدّيها عوائق طبيعية تتمثّل بالطمى وماء الأهوار لتحقيق مواقعاتها الجنسية المتلفعة بالصمت وحمأة العواطف الناقصة، فإن بطلة «نجمة ساطعة» تتنقل بين المنازل الأرستقراطية الواقعة في مراعي منطقة هامستد في شمال لندن، الشهيرة بتلالها القزمة، كما لو كانت روحاً وحشية تتلهّف إلى لقاء الحبيب الغارق في شجون إبداعه ونصوصه، غير ملتفت إلى الرغبات التي تنوس حول روحها اليافعة، التي لن يكتفي ولهها إلا بموت الحبيب على الرغم من سنه الصغيرة، فهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره.

مغامرة كامبيون هنا مبنية على دعوة الشاعر إلى السينما، من دون أن تضع هدفها تصوير القصيدة. بل إنها لا تكلّف نفسها إعلامنا الكيفية التي أنجز بها كيتس نصّه القصير الذي كتبه في العام 1819، فهمّ صاحبة «دخان مقدس» (1999) تحوّل إلى منابزة بصرية على الكلمة وتداعياتها المرئية. بيد أن ما قلّل من ثقل مغامرتها، هو السردية الناقصة الدراما. وهي، ببساطة، كالتالي: كيتس منعزل في هامستد الواحة التي تعتصم فيها الطبقة الأرستقراطية بعيداً عن حثالات لندن وجرائمها، محاولا أن يجد له موطىء قدم. وبدلاً من أن تكون القصيدة المفتاح الذي يوصله إلى القلوب، ينكفئ الشاب خافياً سرّه الذي تلمّح له رؤية كامبيون ومثلها أداء الممثل الشاب بن وايشو (عُرف عالميا عبر فيلم «العطر»). ذلك أن كيتس ميّالٌ إلى لوطيته، كي لا نقول إنه مثليّ الطبائع. وبحسب اعترافه لفاني، فهو «يجد نفسه مع جنسه». بيد أننا نفاجأ بتحوّل نزعاته العاطفية نحو الشابة البالغة الثامنة عشرة من العمر. ما صوّرته كامبيون يوميات عائلية متباسطة، تبدو للوهلة الأولى أنها غير ذات حيوية وإلهام لشاعر مغرق برومنطيقيته، وغلّبت صاحبة «محبوبتي» (1989) دوافعها السينمائية لمصلحة فاني، التي أحالتها إلى كينونة تفريغية للطبائع الغريبة لكيتس، قبل أن تعلن عن يتمها برحيله وهو منفي في روما في العام 1821. بين اللقاء الأول الذي شهد صدوداً متبادلاً بين البطلين وشهقات الألم التي رفعتها الشابة بعد سماعها خبر الفاجعة، تدور كاميرا المصوّر غريغ فريزر بين مروج هامستد وتلالها، وغرف البيوت الريفية وموائد الرفاهية الإقطاعية ورقصاتها وألعابها الساذجة ومناكفاتها ودلال أفرادها.

إيقاع كلاسيكي

صوّرت كامبيون صيرورة الحب بين الاثنين بإيقاع كلاسيكي محكم ومغرق ببطئه الدرامي، من دون الحاجة إلى تكثيف مقاربتها إلى محيط الشاعر كيتس، الذي لم يخرج عن مشاهد داخل غرفته وأخرى وسط المروج، تضمّنت بعض المناكفات. فالغرض الرئيس انصبّ على فاني (آبي كورنيش) وعواطفها التي تُبنى بروية تجاه الشعر أولاً، وكيتس لاحقاً. نفهم أن كامبيون معنيّة بمحيط بطلتها أكثر من قناعاتها الشخصية التي تلقيها باختزال متفلسف لا يتماشى ومستواها اللغوي وتعليمها، ناهيك بأنها تقف أمام قدرة كتابية وقاموسية كبيرة مثل كيتس.

إن فاني «نجمة ساطعة» أقلّ إقناعاً من قرينتها إيزابيل في «بورتريه لِلاَيدي»، الذي امتاز بنصّه الثري وصُوَره الأخّاذة. وإذا وضعنا انتصار هذه المخرجة النبيهة لأنثوية بطلاتها، فإن تصويرها كيتس ككائن يقترب من الخنثى، قلّل الكثير من صدقية مقاربتها لأبي الرومانسية الإنكليزية. ويتوضّح هذا جلياً بالمقارنة بينه وبين فاني، التي بدت قوية الشخصية واثقة الدوافع ذات حس قيادي وكيان ضاغط يقودها إلى عصيان الأخلاقية الإقطاعية السائدة آنذاك، عبر استضافة كيتس العليل والمتردّد والهائم في دارتها، باعتباره عشيقاً برسم الخطيب المغيّب، وفي هذا توثيق من كامبيون لسقوط قيم هذه الطبقة، الذي يترسّم درامياً، لاحقاً، بعلاقة زميله السيد بروان وإنجابه طفلاً من مخدومته، قبل رضوخه لإعلان أبوّته، على الرغم من الفارق الطبقي وما يتبعه من اعتبارية أخلاقية في الاقتران من أم ذات محتد وضيع.

مع أن جين كامبيون أشادت عشق فاني وكيتس على فسحة الطبقات والإعجاب والحاجة العاطفية والقدرية التي تغدر بالحب الوليد، وهي عناصر تتوافر في أي حكاية حب عادية، فإن ما نقص في «نجمة ساطعة» غياب روح الشعر وجذوته! فمع الجهد الكبير للثنائي كامبيون وفريزر الراصد تفاصيل المكان ولباس شخصياته وأجواء مناظره وإحساساتها السينمائية، عجز (الفيلم) عن تبرير دورة المشهديات ذات المساحة الضيّقة والمستندة الى «إلقام صُوَري» كثيف لمشاهد غنى الطبيعة في مسعى واضح إلى نفخ دراما قليلة الوقائع، ما وضع مشاهد «نجمة ساطعة» أمام قفزات سردية هادئة الإيقاع لصالح كثافة من الثنائيات المكرّرة بين فاني وكيتس، وبين فاني والسيد براون، والقليل من اللقاءات العائلية والتجمّعات الباهتة الأداء لعصابات الشعر الإقطاعية، التي تُبعد كيتس إلى إيطاليا للنقاهة حيث ينتظره الموت.

)لندن(

السفير اللبنانية في

18/06/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)