تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

مدن: في حي العدامة بالحورة »ولد« مرهون

يوسف الحمدان يكتب سيرة مجيد مرهون فـي عمل تلفزيوني

إعداد - علي الستراوي

في حي العدامة بالحورة، حي البسطاء المعدمين ولد مجيد مرهون في عز ظهيرة يوم قائظ شديد الحرارة، كان ذلك بتاريخ 17 أغسطس عام .1945 يقول مجيد إن ذلك حدث بعد أسبوع واحد فقط من قيام القوات الأمريكية بإلقاء القنبلة الذرية الثانية على اليابان. وكانت الحرارة في ذلك اليوم على أشد ما يمكن تصوره، بسبب انتشار الغبار الذري في الغلاف الجوي حول العالم. واجه مجيد مرارة الحياة والفقر بالتفوق في دراسته، حيث يقول: ''كنت من أفضل التلاميذ في الدراسة بالرغم من شظف العيش، حيث كنا ننام أحياناً ببطون خاوية يعتصرنا الجوع، وتم نقلي إلى مدرسة القضيبية الابتدائية قبل أن يكتمل بناؤها عام ,1953 وفي تلك المدرسة لاحظت الفارق الاجتماعي بين الطبقات، وكنت أنزوي محاولاً تفسير السبب، ولكن دون طائل، لأن الموضوع وهمومه أكبر مما يحتمله عقلي''. في العام الدراسي 1956 طلب منه مدرس التربية الفنية والرياضية، الأستاذ سلمان ماجد الدلال أن يقوم بتلحين كلمات أغنية مونولوج للأطفال في مسرحية ضمن النشاطات السنوية للمدرسة. كان ذلك أول لحن يقوم بتأليفه في حياته، ولم يكن عمر مجيد يتجاوز العاشرة حين ألف المنولوج الذي تمّ تسجيله يومها في إذاعة البحرين. قبل أن يخلد إلى النوم في كل ليلة كان يستمع إلى راديو الظهران من مذياع قديم في بيتهم يعمل على البطارية ''الناشفة''، وكانت تلك الإذاعة تقدم الموسيقى طوال الليل والنهار. سيصبح الفتى الذي ولد موهوباً، مدمناً على الاستماع إلى الموسيقى السيمفونية، والتي كانت ثرية في هارمونياتها المتنوعة، رغم أنه في ذلك السن المبكر لم يكن قادراً على استيعاب كل شيء فيها. أثار ذلك فضوله كثيراً وشكل له تحدياً حقيقياً للمعرفة، ودافعاً للمثابرة والاجتهاد لدخول العالم السحري للموسيقى. من المدرسة الابتدائية سينتقل مجيد إلى مدرسة بابكو للتدريب، التي كان الانتساب إليها يؤمن عائداً، ساعده في البداية على الانتقال مع عائلته من البيت الذي كانوا يسكنونه بالإيجار، إلى بيت أفضل من السابق. هذا العائد ساعده أيضاً في تحقيق رغبته القديمة في اقتناء آلة موسيقية، حيث اشترى آلة الهارمونيكا عام ,1959 ومعها اشترى كتاباً لكي يرشده في تعلم كيفية العزف عليها. الاستيعاب النظري للدروس لم يكن صعباً بالنسبة له، لكن كيفية تطبيق تلك الدروس كانت هي المشكلة، خاصة وأن معرفته باللغة الإنجليزية آنذاك كانت محدودة، مما أوشك أن يصيبه باليأس، لأن محاولاته الأولى في تعلم النوتة كانت فاشلة. قرر أن يتغلب على ذلك بتعلم العزف وفقاً لسمعه، فكان يخرج ليلاً إلى ساحل البحر خلف قصر القضيبية، لكي يعزف ما يعتمل في صدره وعقله، وكان منظر القمر وهو يتلألأ على أمواج البحر الراقصة يثير أشجانه. الفتى المنذور للإبداع، سيصبح منذوراً للنضال أيضاً، في ذلك الزمن الجميل الذي كان المبدعون لا يجدون أنفسهم إلا في الانحياز لقضية شعبهم، وللنهج التقدمي المعبر عن التوق للحرية. سيقوده ذلك إلى قراءة روايات ومؤلفات جورج حنا وسلامة موسى ومحمد مندور ومكسيم جوركي، وكان لروايات وقصص هذا الأخير أثرها العميق جداً في نفسه، لأنه وجد في شخوص هذه القصص تجسيدات حية في المجتمع. وبعد حين لم يطل بات مجيد على يقين من أن الميول والتوجهات الاشتراكية أقرب إلى قلبه وعقله. حينها سؤل إن كان يرغب في الانضمام لجبهة التحرير الوطني، يقول مجيد: ''بدون تردد أعلنت رغبتي ولهفتي للانخراط فيها''. في عام 1961 طلب منه المرحوم باقر كلبهرام، أن يؤسس فرقة موسيقية للعزف في موكب عزاء مأتم كلبهرام، لأنه كان من أشهر الموسيقيين بين فقراء تلك المنطقة. وبما عهد عنه من حماس شديد وافق مجيد على إنجاز هذه المهمة. في هذه المرحلة بدأ يتبلور عنده الإحساس والوعي بالتقاء الفن الموسيقي مع أفكار التغيير، وهذا ما عزز موقفه من الموسيقى كوسيلة في الارتقاء بذائقة الإنسان وتهذيب روحه. كانت مهاراته الموسيقية قد أخذت في التطور، وبدأت آلات موسيقية أخرى تشده إلى عالمها، فاشترى آلة السكسفون بعد تعرفه على بعض آلات النفخ مثل الترومبت والكلارنيت عام .1961 وحسب المرحوم الفنان أحمد جمال الذي كان يملك متجراً لبيع الآلات الموسيقية والكتب الموسيقية، فإن مجيداً كان أول بحريني يشتري هذه الآلة من المحل، كما اشترى أول كتاب لتعلم العزف على السكسفون، وفعل ذلك بدون معلم أو مدرب. إضافة إلى ذلك انضم إلى أسرة هواة الفن في أواخر عام 1963 ولمدة ستة أشهر، وشارك معها في عدة حفلات أقامتها في عدد من النوادي والمناسبات، ولكن عضويته فيها لم تطل، ليصبح بعد ذلك واحداً من مؤسسي فرقة الأنوار . أخذت ثقافته الموسيقية والفنية في التطور والتوسع، وتحسنت مهاراته في العزف على السكسفون، حيث راح يعزف الألحان الفرنسية العديدة والتي وسعت ذخيرته الفنية، وكذلك الألحان الأفريقية، واللاتينية الأمريكية، والإنجليزية، وعلى وجه الخصوص ألحان أغاني البيتلز، والإسبانية، والروسية بالرغم من أنه لم يتمكن من مواصلة دراسة نظريات الموسيقى حينها بصورة منهجية. وفي عام 1967 جرى تداول، وللمرة الأولى، كلمات نشيد: طريقنا أنت تدري، شوك ووعر عسير. ورغم أن مجيداً لم يحصل على النص الكامل للنشيد، لكن مطلعه وأبياته الأولى لفتت نظره فقام بتلحينها. هذا النشيد سيجري إثراء كلماته، بعد ذلك بعدة سنوات بإضافات ثرية جداً من قبل الشاعر أحمد الشملان، كما إن الفنان سلمان زيمان أضاف إليه، في مرحلة لاحقة، أبياتاً أخرى. في عــــــــام 1966 سينفـــــذ مجيـــــد عمليـــــة بطولية ضد رجال الاستعمار البريطاني، وظل دوره فيها سراً حتــــى عــــــام ,1969 حيث اقتيد إلى محاكمة صورية لم تدم أكثر من نصف ساعة، حيث صدر عليه الحكم المعد سلفاً بالسجن المؤبد، لينقل بعد ذلك إلى سجن جزيرة جدا. لأول وهلة بدت له جداً مخيفة لأنها تختلف تماماً عن جزر البحرين، ففيها الهضاب الجبلية والكهوف ما يثير الرعب في قلب الوافد الجديد. في عام 1973 نجحت محاولات مجيد في إقناع مدير السجون بالسماح له في الحصول على الكتب الموسيقية لدراسة الموسيقى في وقت الفراغ. وما أن أصبحت هذه الكتب في حوزته حتى بدأ الدراسة الجادة والمكثفة في تعلم الموسيقى مستفيداً من مناخ العزلة الذي كان فيه، مستوحياً من خبراته الموسيقية منذ طفولته ومستعيداً كل تجاربه السابقة ومدققاً فيها بعناية. حيث قام بإعادة تأليف وصياغة ''الذكريات'' بالنوتة الموسيقية. وهي على الرغم من كونها ليست تجربته الأولى في التأليف إلا أنها كانت نقطة للانطلاق الموسيقي، كما قام بتأليف مقطوعة ''الحنين'' وبعد قراءته المتأنية لرواية أحدب نوتردام جاءت مقطوعة ''أزميرالدا'' معبرة عن تأثره العميق بأعمال فيكتور هيوجو، خاصة وأن توجهاته الموسيقية الرومانتيكية كانت تسير في اتجاه توجهات الرواية. كما تأثر بموسيقى كل من هايدن وموتسارت وبيتهوفن على وجه الخصوص، والذي وجد فيه ضالته كمؤلف موسيقي، فهو كما يقول مجيد كان مثله موسيقياً أصماً علم نفسه بنفسه، وصادفت هوى في نفس مجيد التوجهات الثورية لبيتهوفن الذي كان يرفض سلطة الأباطرة، ويمقت التزلف. كما اهتم بأعمال الأخوين الرحباني، وأدى العديد من ألحانهما، واستفاد منها في العديد من أعماله الموسيقية التالية ومن ضمنها عمله الكبير الأول: ''جزيرة الأحلام'' التي تمثل تصويراً لأحلام العديد من السجناء وطموحاتهم وآمالهم وآلامهم، وكذلك تصوراتهم ومن ضمنهم هو شخصياً. الأكاديمية الملكية السويدية التي اطلع مختصوها الموسيقيون على بعض أعماله ووضعته في مستوى المحترفين. وسيتوالى اعتراف العالم بمجيد مرهون، مناضلاً وفناناً. ففي الثمانينات وفي نطاق واحدة من أكبر الحملات للمطالبة بإطلاق سراحه، ستعزف فرقة الإذاعة السيمفونية في جمهورية ألمانيا الديمقراطية مقطوعتين موسيقيتين له هما :''ذكريات '' و''نوستالجيا''، وستطوف المقطوعتان العالم التقدمي كله، وتلفتا الأنظار إلى موهبته ومعاناته. وفي مهرجان الشبيبة العالمي في موسكو عام 1985 ستوقع آلاف البطاقات الاحتجاجية التي تطالب بإطلاق سراحه من قبل ممثلي حركة الشباب الديمقراطية المعادية للاستعمار في العالم كله. سيكتب مجيد عن تلك اللحظة : ''لأول مرة في حياتي عرفت حلاوة النصر الكبير'' سيكون لرحيل والدة مجيد أثره الكبير في نفسه، فقد تدفقت مشاعره بالحزن على شكل أعمال موسيقية لافتة، ومن بينها: ''أغنية الراحلين''، التي ألفها، بعد عشرة أيام فقط من رحيل أمه، كعمل موسيقي مميز. كما وضع عملاً موسيقياً آخر مستوحى من هذا الفقد: ''حرقة القلب'' بعد وفاة أمه بخمسة أو أربعة أيام، حيث كتبه كاملاً في جلسة واحدة، وهو اللحن الذي عزفته لاحقاً الدكتورة ويري دين بروفيسورة النشاطات الموسيقية في جامعة أوتاه الأمريكية . يقول مجيد إن حصيلته من الأعمال الموسيقية حتى عام ,1985 كانت قائمة على أساس وجهة نظر نقدية قوية وصارمة في نقد ذاته ومحاسبتها حساباً عسيراً، حيث أكمل السيمفونية الثانية: ''دعوة إلى الفرح'' في يوم عيد ميلاده الأربعين بتاريخ 17 أغسطس.1985 كان قراره قد أصبح حازماً بأن مستقبله في الموسيقى وحدها، وليس في أي مجال آخر، لذلك عكف على المزيد من دراسة الهارمونية والتوزيع الموسيقي، إضافة إلى مادة التأليف الموسيقي على أسس علمية صارمة. وتمكن في تلك الفترة من الحصول على مسجل صغير وأشرطة كاسيت سجل عليها بعضاً من أعمال تشايكوفسكي وبيتهوفن وغيرهما، مما أروى شيئاً من شغفه الموسيقي وساعده على المضي في مشروعه. حيث قام بتأليف أعمال موسيقية قيّمة، منها صوناتة البيانو، والرباعية الوترية الأولى، وعمل على إنجاز سيمفونيته الثانية التي تفادى فيها عيوب سيمفونيته الأولى. وفي نفس تلك المرحلة قام بتأليف الرباعية الوترية الثانية والتي عزفت لاحقاً على يد فرقة رباعية أدنبرة الوترية في يوم الموسيقى العالمية عام 1999 محققةً نجاحاً كبيراً. ستتحول جزيرة جدا إلى مصهر للتجارب الإبداعية والفنية، وسيقوم مجيد ومنذ السبعينات بتدريس الموسيقى لبعض المساجين، حيث قام بتكوين فرقة موسيقية متواضعة بعد توفر بعض الآلات الموسيقية. في الثامن من يناير 1986 تم نقل مجيد من سجن جزيرة جدا إلى سجن جو عن طريق مكتب إدارة السجون، ويرى مجيد أن نقله إلى سجن جو حمل له بعض الفوائد، بطريقة مكنته من مواصلة العمل على مشروعه الموسيقي، حيث تم وضعه في زنزانة خاصة استخدمها كمدرسة للموسيقى، وكمكتبة موسيقية مع طاولة خاصة مما سهلت عليه الجلوس لتأليف الموسيقى وقتما يشاء. في 26 أبريل 1990انتهت مدة سجنه، ليتنفس هواء الحرية أخيراً، ومنذ اليوم الأول لخروجه من السجن أصبح عضواً في فرقة أجراس الموسيقية، وساهم فيها عزفاً وتأليفاً، ومن ضمن أعماله معها كانت أغنية (حبيبتي) التي قدمت في المهرجان الثالث للفرقة، ومقطوعة (دعوة حنان). وواصل مجيد العمل على إنجاز القاموس الموسيقي الحديث الذي كان قد بدأ في جمع مادته منذ عام ,1975 وواصل العمل فيه في السجن، حيث أعاد النظر في المجلد الأول والذي يحتوي على إضافات في المداخل والشروح، وعلى وجه الخصوص في علاقة الكمبيوتر بالموسيقى، وأنجزه بعد خروجه، حيث انهمك عليه في الفترة بين1990 - .2002 هكذا تحدث عنه الدكتور حسن مدن، ولأن مرهون شاهد لعصر مضى وبتهوفن البحرين الجديدة والقديمة، فهو علامة بارزة في السلم الموسيقي والسلم الاجتماعي، دعت الحاجة لبعض المهتمين الاهتمام به كفنان موسيقي، خرج من الصلب ليرسم ظلاً كبيراً على أرضية هذا الوطن، فآخر الجديد قيام الناقد المسرحي والمخرج المبدع يوسف الحمدان، باحتواء سيرة مجيد في تقديمها في عمل تلفزيوني يتحدث عن الموسيقار البحريني المبدع والجميل مجيد مرهون.. مستعرضاً تاريخ هذا الفنان من الجوانب الإنسانية والإبداعية، ومدى المعاناة التي تعرض لها في بداية حياته، وإصراره على تحدى الصعاب، وصولاً إلى مرحلة التميز والشهرة. وقد ذكر الحمدان أنه اختار وبشكل مبدئي المخرج الشاب حسين الحليبي لإخراج المسلسل، والفنان جمعان الرويعي لدور مجيد مرهون. مضيفاً بأن العمل سيكون الأول من نوعه، حيث سيقدم إلى الأجيال تاريخ وسيرة نابغة موسيقية لا تتكرر في أرضنا الطيبة .

الوطن البحرينية في

17/06/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)