تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

من " كارمن " الى " دون جيوفاني

كارلوس ساورا... سينما تتنفس الموسيقى

زياد عبدالله – دبي

يمكن لمخرج بحجم الإسباني كارلوس ساورا أن يشكل ذاكرة اسبانية جمالية، بحيث تأتي مسيرته السينمائية نبشاً للموروث والمشكل العميق للهوية الإسبانية، بعيدا عن الأحداث والمفاصل التاريخية، منكبا على القيم الجمالية، التي يوثقها بالصوت والصورة وبالتالي يؤرخ لها، لكن على طريقته الخاصة، وذلك بأن يقدمها في أقصى درجاتها الإبداعية مستعينا بالسينما، الأمر الذي وصل به إلى حد أصبح فيه «التانغو» و«الفلامينغو» موسيقى ورقصا يحتلان فضاء الفيلم بالكامل قاصدا في ذلك فيلمين بالتحديد، «تانغو» 1997 وآخرها «ايبيريا» .2005 لئلا ينحصر منجز ساورا السينمائي في نطاق اسباني أو أندلسي على اعتباره أيضا عاشقا للإرث العربي في أسبانبا، فإنه بمنظور أشمل، يستخدم الفيلم أداة صهر لفنون أخرى، وفعل استعادة لمبدعين مروا بأثر دامغ في التاريخ الإنساني، ولعل فيلم «دون جيوفاني» الذي شارف على الانتهاء من تصويره يشكل مثالا قريبا على ذلك، إذ يحكي الفيلم عن الشاعر لورانزو دو بوانتيه الذي كتب كلمات أوبرا موزارت «دون جيوفاني»، طبعا هذا يضاف إلى أفلام كثيرة حققها ساورا على ما يعزز وصفنا أفلامه بأداة صهر، مثل «عرس الدم» 1981 عن مسرحية الشاعر الإسباني فدريكو غارسيا لوركا الشهيرة، وكذلك الأمر في فيلم «كارمن» الشهير عام .1983

كما سيستنتج القارئ فإنه من الصعب حصر ساورا في توصيف نقدي واحد، إلا أن ما تقدم هو محاولة لمقاربة بعض نواح من مسيرته، وقد تجاوز الـ 70بسبع سنوات وفي جعبته 40 فيلما، متأكدين من حقيقة أنه الآن مستسلم تماما لغواية الموسيقى، أو أنه كان دائما كذلك، لكنه الآن أكثر انحيازا لروعتها، فإن كان «تانغو» قد احتوى على شيء من الحبكة الحاملة لصدى خفيف من «كارمن»، وإن كانت النسبة لا تتجاوز 10٪ من الفيلم، ليترك ما تبقى للموسيقى والرقص، فقصة الفيلم تتلخص في أن مؤلف موسيقى التانغو ومصمم الرقصات الذي تهجره زوجته الراقصة البارعة، يقع في حب راقصة شابة مرتبطة برجل صاحب نفوذ واسع، ليعود بعد ذلك إلى التأليف من جراء علاقته مع تلك الفتاة الرقيقة، ومنحها دور البطولة أمام زوجته بحيث تتحول رقصاتهما إلى حوارية بجسديهما عليه هو بالذات وبما يعكس مشاعرهما، مع مشاهدتنا الكيفية التي تتشكل بها المسرحية الغنائية التي يؤلفها وانعكاس أحداث حياته على عمله.

إن كان كل ذلك قد حضر في «تانغو» فإنه وفي «ايبريا» يتخلى عن كل ذلك، ويقدم فيلما غنائيا راقصا كاملا، من بطولة راقصات وعازفي الفلامينغو، إضافة للألوان والديكور، وبالتأكيد اسحاق ألبنيز «1860 ـ 1909» الموسيقي الإسباني المهدى إليه الفيلم، والذي ينقسم إلى مقاطع تحمل أسماء مقطوعاته، مع تناوب التصاميم والأزياء والأداء الراقص لعدد هائل من الراقصين على تجسيدها تعبيريا عبر رقصات الفلامينغو.

لا يمكن أن يوصف «ايبريا» إلا بالفيلم الساحر، حيث التناغم على أعلى درجاته، وعلى شيء من ما يختلف عن خشبة الرقص، بحيث نشاهد على سبيل المثال الراقصة ترقص بينما شاشة خلفها قد احتلها بالكامل وجهها، أو أن النار تندلع إلى جانبها، إضافة لمقطوعات مثل «إشبيلية» و«غرناطة» نشاهد فيها مجموعة من الراقصات يرقصن وقد ارتدين النقاب، بينما الآلات الموسيقية المستعملة تكون مزيجا بين الغيتار والعود والناي والدف، والكثير من اللوحات المفرطة الحساسية، إلى حد أن روعة الموسيقى تدفع إلى الاستماع إلى الموسيقى دون صورة، الأمر الذي يشعر بالنقص على الفور، كون أول لقاء كان مع تلك الموسيقى لم يكن إلا برفقة تجسيد بصري استثنائي، الأمر الذي لا يمكن نسيانه لدى سماع موسيقى الفيلم وحدها، حيث توفر مشاهدة الفيلم مساحة للتعرف إلى درجة تناغم مدهشة بين الصورة والموسيقى، لا يمكن للأولى أن تتخلى عن الثانية، والعكس صحيح.

الإمارات اليوم في

16/06/2009

 

يعرض حالياً في الصالات المحلية

«عمـاء».. فيلم لنا أن نبصر به

زياد عبدالله – دبي 

حملت هذه الصفحة مقالات عدة عن المخرج البرازيلي فرناندو ميرالس، كما تم تناول فيلمه «عماء» أكثر من مرة ومناسبة، سواء قبل انتهاء ميراليس من تصويره، أو عند قراءة الفيلم كونه فيلم افتتاح الدورة ما قبل الأخيرة من مهرجان «كان» السينمائي، وليكون عرضه حالياً في دور العرض المحلية مناسبة جديدة للتقديم له كونه ينتمي إلى نوع من الأفلام قليلاً ما نشاهدها في دورنا المحلية.

الفيلم مأخوذ عن رواية للكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو (نوبل 1998) الذي لم يتمكن من مشاهدته أثناء عرضه الأول في «كان»، وعلى عكس رغبته التي اصطدمت بمرضه ومنع الأطباء له من السفر، ما ترتب على ميراليس التوجه إلى ليشبونة لعرضه عليه.

ولعل ميراليس يعرف أن هذا أقل ما عليه فعله مع ساراماغو، الذي استغرق إقناعه بقبول تحويل روايته إلى فيلم سنوات طويلة تعود به إلى عام 1997 ورفض ساراماغو حينها ذلك معتبراً «تجسيد (عماء) سينمائياً سيكون أمراً بالغ السوء»، ليعود دون ماكلر كاتب السيناريو بعرض الموضوع مجدداً على ساراماغو، وليوافق هذا الأخير بعد مشاهدته أفلام ميراليس معتبراً أن بإمكان هذا المخرج الخروج بفيلم جيد من روايته، إضافة إلى كون إنتاج هذا الفيلم سيكون مشتركاً بين البرازيل وكندا واليابان وبريطانيا و«بعيداً عن يد هوليوود» كما يقول ساراماغو المعروف بمواقفه المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، ولنا في العرائض التي وقعها، واعتصامه مع الرئيس الراحل ياسر عرفات أثناء حصاره مثالا سريعا عن مواقفه الكثيرة في هذا الخصوص، ولعله لم يتوقف يوماً على أن يكون إشكالياً، ولنا في مقاله الهجائي الأخير لرئيس الوزراء الإيطالي بيرلسكوني مثال على إصراره على النقد والجدل رغم بلوغه السابعة والثمانين من العمر.

يبدأ فيلم «عماء» من الإشارة الضوئية، من سائق يهبط عليه العمى من حيث لا يدري، وأحد المارة يساعده على قيادة سيارته ومن ثم يسرقها.

من هنا ينتشر الوباء وتتسع الدائرة: سارق السيارة، زوجة صاحب السيارة التي تصطحبه إلى طبيب العيون (ماركو رافلو) وجميع من يجري لهم هذا الطبيب فحوصاته، ففي اليوم التالي يتضح كل شيء، تصاب كل شخصية على حدة، وفي تواقيت متفاوتة، والناجية الوحيدة من هذا المصير هي زوجة طبيب العيون (جوليان مور) التي ستبقى كذلك حتى نهاية الفيلم.

تلك هي الحلقة الرئيسة من المصابين بهذا الوباء العجيب، التي سنتعقب مصيرها إلى النهاية، حيث يرى المصاب أمامه صفحة بيضاء عكس العتمة التي تسكن عيون العميان، ولدى انتشار تلك الظاهرة يجري الحجر عليهم، بمن فيهم زوجة الطبيب التي ترافق زوجها، وعليه تكون المبصرة الوحيدة وكل من حولها عميان.

تتأسس مقولات الفيلم على تصوير البشرية إن حل بها ما حل بالفيلم، وينغمس في إضاءة أصل العلاقات الاجتماعية، في ردها تحت وطأة الوباء إلى البدائية المتأصلة في الإنسان، التي يكفي أن تختل إحدى وظائفه ليعود إليها، هذا عدا أن العماء الذي يحل على الإنسان يكون كفيلاً بالإخلال بتلبيته احتياجاته الرئيسة كما وطّن نفسه عليها.

مع تزايد أعداد المصابين في الحجر الصحي الذي يوضعون فيه تحت حراسة مشددة، ستعود البشرية إلى نشأتها، وتطورها المبني على الملكية والعبودية، وهذا ما يجسده امتلاك أحد المصابين مسدس فيمسي السيد ومن حوله عبيد، حيث يحتكر الطعام ويصير على الآخرين أن يقدموا له كل ما لديهم من أجل أن ينالوا حصتهم، إلى أن تقوم زوجة الطبيب بقتله كونها المبصرة الوحيدة، في رمزية لها أن تحتمل تأويلاً متمثلاً بأن كل من رفض الاستعباد كان مبصراً، ومن ثم تأتي الثورة على الديكتاتور المقتول وزمرته ولتكتشف زوجة الطبيب أن الحراس قد ذهبوا وأن الأبواب لم تعد مقفلة، ولتكتشف بعد خروجها من الحجر أن العمى قد أصاب جميع البشر، والمدينة صارت مدينة أشباح لا تبصر.

الفيلم مسكون بالأبيض، مضافاً إليه المرايا وما ينعكس على سطحها، ولعل عناصر المفاجأة في الفيلم تأتي دائماً من اللقطة واللعب على لون العماء الأبيض، ويبنى التشويق من دون انعطافات حادة، بل على أساس تعقب ما تؤول إليه البشرية إن أصيبت بهكذا وباء.

الإمارات اليوم في

15/06/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)