تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

هل تختفي السينما التي نعرفها؟

فيلم ديزني ـ بيكسار الجديد ثلاثي الأبعاد بنظارات خاصة للمشاهدة

محمد الظاهري

لا شك أن الأزمة المالية التي تعصف بالعالم عموما وبأميركا خصوصا تلقي بظلالها على الكثير من القطاعات التجارية والصناعية والمالية، وتدفع بالكثير من هذه الشركات إلى التحفظ على بعض استثماراتها ذات المخاطر العالية. وعلى الرغم من ذلك فإن الصناعة الوحيدة التي لا تزال تمارس حرية نسبية في بذخها الإنتاجي والصناعي هي هوليوود، بكل مؤسساتها واستوديوهاتها وشركاتها. وهذا عائد ربما لأسباب كثيرة، لكن أحد أهم التعليلات دون شك هو في عدم قلق تلك الشركات من عزوف المستهلك عن السينما على المدى المتوسط والقصير، فرسوم مشاهدتها منخفضة نسبيا بحيث لا تزال تستقطب جمهورا كافيا لتغذية هذا القطاع، كما أن الترفيه الاعتيادي والروتيني عادة ما يكون آخر المناطق التي يلجأ المستهلك إلى ترشيدها في حال وجود أزمة تستدعي ذلك، ولن يكون هذا بأي حال بالسرعة التي تشهدها قطاعات تجارية أسرع انهيارا.

هذا المقدمة استدعاها أحد مظاهر البذخ السينمائي الذي بدأ عرضه في صالات السينما الأسبوع الفائت. إنه فيلم ديزني ـ بيكسار الجديد «up»، «إلى أعلى». لقد أرادت ديزني وبيكسار ـ اللتان أصبحتا في السنوات الأخيرة تمثلان بتعاونهما أهم مصدر لسينما التحريك المرسومة بالكومبيوتر ـ أن تجعلا منه فيلما ثلاثي الأبعاد بالدرجة الأولى، حتى أصبحت بعض صالات السينما ومنذ الأسبوع الأول لا تعرض إلا نسخا ثلاثية الأبعاد. هذا لم يكن فرضا على جمهور شباك التذاكر وحسب، وإنما وقبل فقط أقل من شهر اضطر جميع حضور عرض الفيلم الأول في مهرجان «كان»، وكانوا من النخبة من سينمائيين ونقاد وصحفيين، إلى ارتداء النظارة المخصصة لمشاهدة الفيلم ثلاثي الأبعاد. وهذا يثير تساؤلا كبيرا حول ما تنوى حقا شركات الإنتاج فعله بالتأثير القسري على أسلوب مشاهدة السينما. في السابق ومنذ أن خرجت إلى الضوء تقنيات الآي ماكس قبل نحو خمس عشرة سنة، التي انتشرت صالاتها الضخمة المخصصة لمشاهدة أفلام بتقنية الآي ماكس في دور السينما بسرعة، لم تكن على أية حال تعتزم مزاحمة أسلوب المشاهدة التقليدي، وشركات الإنتاج التي بدأت تتيح نسخ آي ماكس تتيحها لإشباع رغبة بعض من مشاهديها، إلا أنه لم تكن هناك أي أمارات تشير إلى محاولة أن تأخذ هذه مكان تلك، وأصبحت منذ ذلك الحين رديفا مشاركا للسينما التجارية.

لكن الذي حدث الآن هو خطوة أخرى تختلف تماما عن تلك التي كانت عند الآي ماكس، فهنا أصبح الخيار محدودا، وخيار فرض مشاهدة فيلم بتقنية ثلاثية الأبعاد هي مغامرة لا شك أنها وعند نجاحها ستدفع بشركات أخرى إلى انتهاج نفس النهج. وتصبح السينما حينها شيئا آخر غير السينما التي نعرفها، فأنا أرى وما زلت أرى أن السينما لا يمكن أن تكون تفاعلية بالمفهوم التقني للكلمة. وربما سيُستفاد من هذه التقنيات الجديدة في خلق نوع جديد من إبداعات السرد الفنية، أو ربما تكون وسيلة ترفيهية بحتة تقام في المزارات السياحية ومراكز الترفيه، لكن أن تكون هي السينما فلا أظن أن هذا سيفيد السينما بقدر ما سيضرها كثيرا.

هذا التخوف من العبث في نمط المشاهدة السينمائية يزداد كثيرا حينما يدور الحديث حول فيلم ممتاز مثل فيلم «إلى أعلى» الذي انتزعت مشاهدته بتقنية ثلاثية الأبعاد جزءا كبيرا من شاعرية الزمن التي يمتاز بها النصف الأول من الفيلم، الذي كان في معظمه دون أي حوار وبإيقاع هادئ جدا وبطيء، وربما سوداوي في بعض لحظاته. وتذكرنا تلك الساعة الأولى بفيلم «Wall.E» الحائز على أوسكار أفضل فيلم تحريك العام الفائت، والذي كان نقله بأسلوب سرد أفلام التحريك المصنوعة بالكومبيوتر، حيث تلعب الصورة الشعرية والعاطفة الصامتة الدور الأساسي في الفيلم.

«إلى أعلى» هو في المقام الأول يتجه لأن يكون كذلك، فيلم حول الزمن وذكرى الزمن، وإن كان مكثفا في جزئه الأول بصورة أكثر من ساعته الأخيرة، فإنه ظل محتفظا بهذا الخط العاطفي حتى نهاية الفيلم.

الفيلم يبدأ باستعراض تاريخي دون تعليق لحياة طفلين حالمين، لم تكن تبدو عليهما أي بوادر للنبوغ، لكنهما مدفوعان بأحلام طفولة لأن يصعدا إلى السماء ويحلقان إلى حيث جنان أميركا الجنوبية. تقدم الزمن بالطفلين وأحب كل منهما الآخر، وتزوجا ولم يرزقا أي طفل طوال حياتهما، إلا أنهما بقيا عاشقين حالمين حتى تقدمت بهما السنون. توفيت الزوجة وبقي الشيخ العجوز يعاني وحدة وفراقا لم يشعر به من قبل. يقرر الانطلاق في رحلة إلى جنوب أميركا لتحقيق حلم زوجته، لكن ليس بالطريقة التقليدية التي كان سيفاجئ بها زوجته، وإنما بالسفر عبر ألوف من البالونات المملوءة بغاز الهيليون الطيار، واقتلاع البيت بما فيه من ذكرى حميمية.

حتى هذه اللحظة والفيلم لا يبدو أنه مناسب للكبار أكثر منه للصغار بما يحمله من شحنة عاطفية مكثفة يلعب بها تقادم الزمن والحنين إلى الماضي كثيرا، بشكل قد لا يتفاعل مع سوداويتها الأطفال بتلك الدرجة التي سيتلقاها بها الكبار. على أي حال، الفيلم يبدأ في التغير كثيرا لحظة انطلاقة العجوز في رحلته إلى الجنوب، مصطحبا معه ودون علم منه طفلا من أطفال الكشافة يرغب في مساعدة العجوز على أمل أن ينال منه توصية لكي يقوم بتعليق الشارة الأخيرة المتبقية له حتى يصبح عضوا بامتيازات أعلى. من هذه اللحظة يرتفع إيقاع الفيلم وتزيد الإثارة من درجتها، لكنها تبقي وبشكل رائع على الخط العاطفي دون أن يفلت منها. وفي هذا الجزء بالذات كانت مشاهدة الفيلم ثلاثي الأبعاد تبدو أكثر معقولية على اعتبار الارتفاع والهبوط والزوايا الخطيرة من السماء، التي ستعطي المشاهدة الثلاثية الأبعاد إثارة جيدة.

الفيلم سيكون دون شك أحد أهم أفلام التحريك لهذا العام، وسيخوض بالتأكيد سباق الأوسكار في فرع أفضل فيلم تحريك، وهو كما كان «Wall.E» خطوة إلى الأمام تقوم بها كل من بيكسار وديزني في تعاونهما المشترك في إنتاج أفلام التحريك، فهي قد أعادت عاطفة كلاسيكيات ديزني بتقنيات بيكسار.

m_aldhahri@hotmail.com

الشرق الأوسط في

05/06/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)