تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

«الانتصار» عن إيدا دالسر زوجة موسوليني التي أنكرها وأنكر ابنه منها

بيلّوتشيو: خاضت معركتها ضد الفاشية من خلال قصتها الشخصية

نديم جرجورة

في الدورة الثانية والستين لمهرجان «كان» السينمائي، التي أقيمت بين الثالث عشر والرابع والعشرين من أيار 2009، عُرض «الانتصار» للإيطالي ماركو بيلّوتشيو (تمثيل: جيوفانا ميزّوجيورنو وفليبّو تيمي) في المسابقة الرسمية، متناولاً فصلاً من فصول الذاكرة الشفهية المتعلّقة بسيرة الدوتشي بينيتو موسوليني، قبل اعتلائه عرش الحكم الفاشيّ في إيطاليا، عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية. ذلك أن التاريخ الرسمي لتلك الحقبة الممتدة من العام 1909 لغاية 1937 غيّب، نهائياً، تفاصيل العلاقة العاطفية والزوجية بين إيدا دالسر وموسوليني، اللذين التقيا أثناء نضال الشاب ضد الحكم، وانفصلا بعد إنجابهما ولداً أنكره الأب سريعاً، كي لا يؤثّر على صورته كزعيم أمام الدولة والمجتمع والكنيسة الكاثوليكية. والفيلم، إذ يرسم ملامح حقبة من خلال سيرة امرأة، يفتح نافذة حيوية وجميلة على فترة تاريخية عاصفة، مولياً أهمية قصوى لإيدا دالسر المناضلة، على طريقتها الخاصّة، ضد الفاشية والتغييب والإعدام النفسي والروحي.

هنا ترجمة عربية لمقتطفات من حوارات صحافية أُجريت مع المخرج بيلوتشيو، ونُشرت في الملفّ الصحافي الخاص بـ«الانتصار»، ومجلة «الفيلم الفرنسي» (20 أيار 2009) والمجلة المتخصّصة «دفاتر السينما» (أيار 2009).

تحدّث ماركو بيلّوتشيو (70 عاماً) عن علاقته بإيدا دالسر وحكايتها، فقال إنه لم يسمع بهما أبداً، قبل اكتشافه إياهما منذ أعوام قليلة فقط «عند مشاهدتي فيلماً وثائقياً على شاشة التلفزيون بعنوان «سرّ موسوليني» لفابريزيو لورانتي وجيانفرنكو نوريلّي». عندها، وجد أن إيدا دالسر، التي أنجبت من موسوليني ولداً اعترف به الرجل أولاً قبل أن يتخلّى عنه وينكره لاحقاً، «امرأة خارقة»، متحمّساً لفكرة أنها ظلّت تصرخ بحقيقتها حتى النهاية، في حين كان النظام يعمل على تدمير أي أثر للحقيقة والمرأة وابنها: «كانت المرأة والابن السرّي لموسوليني فضيحة يجب إخفاؤها، إلى درجة أن وجودهما، ليس الجسدي فقط، يجب أن يُمحى. أغلق عليهما في ملجأ للمجانين، حيث توفّيا»؛ مضيفاً أن من يذهب اليوم إلى مسقط رأس إيدا (ترانتن ـ هو ـ آديج)، يُفاجأ بواقع أن «الذاكرة الجماعية لا تزال محتفظة بذكرى صافية جداً عن هذه المأساة المنسية من قبل التاريخ الرسمي»، التي شكّلت مادة لكتابين اثنين، هما: «عشيقة موسوليني» لماركو زيني و«الابن السرّي للدوتشي» لألفريدو بياروني، مدعّمين بالوثائق والشهادات، بالإضافة إلى عدد كبير من الرسائل التي كتبتها إيدا وأرسلتها إلى السلطات العليا والبابا، وبالتأكيد إلى موسوليني نفسه، «ترجوهم فيها الاعتراف بوضعها زوجة شرعية لموسوليني ووالدة ابنه الأول. في الكتابين، نقرأ أيضاً ردود الدوتشي عليها». في أحد هذه الحوارات، قال بيلوتشيو إنه عرف بقصّة داسلر «أثناء قراءتي موضوعاً في صحيفة يومية، تناول هذه الحلقة المعروفة بشكل ضيّق من حلقات سيرة حياة موسوليني»، مشيراً إلى أن «شخصية إيدا دالسر أثّرت فيّ عميقاً، من دون أن أفكّر لحظة، حينها، بتحقيق فيلم عنها»، مضيفاً أن معرفة حقيقة أن هذه المرأة خاطرت بالاختفاء كلّياً (دُفنت هي وابنها في مقبرة عامة) وأن ذكرها امحت بشكل ممنهج، (هذا كلّه) «جعلني أتخيّل نصّاً سينمائياً يبدأ من مرحلة ما بعد الشغف والخدر بينهما».

تراجيديا القدر

أما لماذا ألهمه القدر التراجيدي للمرأة إلى هذا الحدّ، فقال المخرج إن «إيدا دالسر كانت المناهِضة الوحيدة للفاشية. في العادة، نتذكّر مناهضي الفاشية من خلال المقاومة التي قامت بها الشيوعية والاشتراكية، بالإضافة إلى المقاومة الشعبية، لكن دائماً في إطار معركة سياسية. من وجهة نظر معينة، خاضت إيدا دالسر معركتها ضد الفاشية بطريقة خاصّة بها، ومن خلال حكاية حميمة جداً. التقت موسوليني الثوري الاشتراكي والفوضويّ النقابي والمحبّ للسلام، الذي أصبح فجأة «تدخّلياً» (أي القائل بالتدخّلية أو المتعلّق بها؛ والتدخّلية تعني سياسة التدخّل في القطاعات الخاصّة ضمن الدولة، أو التدخّل في تنازع الدول الأخرى). في البداية، تزوّجت أفكاره. لكن قضيتها الأساس، أولاً وقبل أي شيء آخر، كانت الرجل الذي منحته جسدها وروحها». ثم إن بيلّوتشيو لم يكن معنّياً بفضح الأعمال الشائنة للنظام، لأنه تأثّر عميقاً بهذه المرأة وبرفضها المطلق التسويات كلّها: «في العمق، كان يُمكنها الموافقة على العودة إلى الظلّ، ولعلّها بهذا تحصل على فوائد مالية جيّدة، كما فعلت عشيقات أخريات لموسوليني، وكما هي الحالة التي تعيشها عشيقات النافذين في هذا العالم. رفضت هذا الأمر، مطالبةً بهويتها الحقيقية. لم تستطع الموافقة على خيانة الرجل، الذي أحبّته بطريقة مطلقة وأعطته كل ما كانت تملكه، بما فيه ميراثها، كما كتبت في رسائلها. غير أن موسوليني، عندما أصبح دوتشي، أراد التخلّص من هذا الحب القديم، لأسباب عدّة أبرزها أن النظام لا يستطيع إطلاقاً أن يُعرّض علاقاته بالكنيسة للخطر»، في تلك المرحلة التي شهدت مفاوضاته مع الكنيسة الكاثوليكية على توقيع ما عُرف لاحقاً بـ «اتفاق لاتران» في العام 1929، وهو الاتفاق الذي وضع حلاّ للمسألة الرومانية المطروحة منذ العام 1870، عندما اجتاح الجنرال كاردونا المناطق الفاتيكانية وأخضعها لسلطته. فهذا الاتفاق منح الاستقلالية للفاتيكان، وجعل الكاثوليكية ديناً رسمياً لإيطاليا أيام البابا بيوس الحادي عشر؛ علماً بأن موسوليني تزوّج إيدا دالسر في أيلول 1914 دينياً، وأنجب منها بينيتو ألبينو موسوليني في الحادي عشر من تشرين الثاني 1915، وهو الزواج الذي لم يُسجّل رسمياً؛ في حين أنه اقترن رسمياً براشيل غيدي في السابع عشر من كانون الأول 1915، وأنجب منها ابنته إيدّا (تُكتب وتُلفَظ بطريقة مختلفة عن إيدا) في العام 1910. وذكر بيلّوتشيو أن نجاح المفاوضات دفع البابا إلى وصف موسوليني بـ «رجل العناية»، مشيراً إلى أن الظروف الآنفة كلّها جعلت موسوليني يُصرّ على فكرة اختفاء الأم وعقد الزواج معاً، والابن وشهادة ميلاده أيضاً، وإن تمّ تغيير اسم عائلته فيها لاحقاً: «يجب ألاّ يكونا موجودَين أبداً».

عشقٌ وخَطرٌ

يُكمل ماركو بيلّوتشيو التعبير عن إعجابه الكبير بإيدا دالسر، قائلاً إنها لم تختر المُسطّح في الحياة وفي علاقاتها وأفكارها: «في أعماقها، التزمت الأفكار السياسية نفسها التي اعتنقها موسوليني في بداياته النضالية. عشقت الشاب بوَلَه، عندما لم يكن هو أحداً. أحبّته، عندما لم يحبّه أحدٌ. دافعت عنه، عندما كان مفلساً ومُهاناً. ثم تبدّلت الأحوال كلّها: عندما أحبّ الجميعُ الدوتشي، باتت وحيدة، وانقلب الجميع عليها. متحسّرة إزاء هذا الحبّ اللامسؤول، وضعت وراء ظهرها إيطاليا كلّها، التي (إيطاليا)، في ذروة تحوّلاتها الفاشية، التفّت حول موسوليني». أضاف أن سلوكها وشجاعتها في مواجهة الدوتشي وعدم الانحناء أمامه، وتمرّدها حتى النهاية، هذا كلّه «جعلني أتذكّر بطلات عديدات في التراجيديا اليونانية، وخصوصاً أنتيغون، وبطلات معروفات في تراثنا الشعري، مثل عايدا. لذا، فإن الفيلم ميلودراما تروي الحصانة التي تمتّعت بها امرأة إيطالية عادية، لم تجعلها أي سلطة تنحني أمامها. بطريقة ما، هي التي ربحت».

بالإضافة إلى هذا، قال بيلّوتشيو إنه بدءاً من تاريخ محدّد، «لم تعد إيدا ترى موسوليني أبداً، إلاّ في صالة السينما التي كانت تعرض «الصحافة السينمائية الخاصّة بالأحداث اليومية»، حيث كانت تجلس مدهوشة أمام صورة هذا الرجل الذي أصبح حجمه كبيراً جداً على الشاشة، كممثل أو نجم؛ ونواكب، عبر نظرتها، التحوّل الذي أصابه. في اللحظة التي شهدت عبور موسوليني «العتبة الإعلامية»، أصبح الرجل مختلفاً، حتى بالنسبة إليها: من موسوليني، أصبح الدوتشي»، معتبراً أن موسوليني «أول من أنشأ نظاماً مرتكزاً على الصورة. معه، دخلت السياسة عالم الصورة والمتخيّل. إنها نقطة اللاعودة في التاريخ. اليوم، بعض تصرّفاته تبدو لنا مثيرة للسخرية وأقرب إلى البهلوانية، لكن تكوّن هذا الأسلوب سمح له باجتياح الوسائط الإعلامية. لم يعد ممكناً تهشيم صورته. وهو هذا الرجل، أي الرجل الإعلامي، الذي يضطهد إيدا دالسر، لأنها كانت قادرة على الوشاية به، وعلى إثارة فضيحة أمام الملأ. كانت قادرة، موضوعياً، على تشكيل خطر على صورته».

من ناحية أخرى، قال بيلّوتشيو إنه استخدم صُوَراً أرشيفية كثيرة انسجاماً وأسلوب العمل، ولأسباب إنتاجية: «لا نستطيع إعادة بناء كل شيء. يجب على الصوَر الأرشيفية أن تندمج وصُوَر الفيلم لتشكّل أسلوباً جمالياً في إنجازه. يجب الانتقال من صورة موسوليني الشاب، التي أدّاها ممثل، إلى الصوَر الحقيقية للديكتاتور، لإثارة الشعور بزمن القصّة. بدءاً من العام 1922، اختفى الممثل، ووحده موسوليني الحقيقي ظلّ حاضراً على الشاشة. استعنت بالصحف السينمائية المنتجة في تلك الفترة لا للزينة أو التفسير، بل لإدراجها في سياق الفيلم. في داخل الصالة، شاهدت إيدا دالسر للمرّة الأولى وجه الدوتشي، الذي لم تره منذ أعوام عدّة: انتقال من صورة الممثل إلى الصورة الحقيقية لموسوليني». وعلى الرغم من أن «الانتصار» متعلّق بموسوليني، ومع أن طابعه كامنٌ في تبليغ خطاب ضد الفاشية من خلال أحداث خاصّة، إلاّ أن بيلّوتشيو لم يشأ إنجاز فيلم مباشر ضد الفاشية، «لأني أردت التركيز على هذه المرأة التي نجحت في المحافظة على ذاكرتها. حتى ولو أنها شخصية صغيرة في مواجهة الفاشية، إلاّ أن حكايتها الشخصية رمزية: عدم التخلّي عن مشاعرها والتزاماتها وقناعاتها. بمعنى ما، إنها لا تُقهَر، حتى لو دفعت حياتها ثمناً لانتصارها وبطولتها».

 

كلاكيت

السفر إلى التخوم

نديم جرجورة

هناك مفارقة لافتة للانتباه، في لائحة الأفلام العشرين التي شاركت في المسابقة الرسمية الخاصّة بالدورة الثانية والستين (أيار 2009) لمهرجان «كان» السينمائي، كامنةٌ في أن اثني عشر فيلماً من بينها تجاوزت مدّة كل واحد منها الساعتين، منها فيلمان اثنان بلغت مدّتهما ساعتين اثنتين فقط («نجمة ساطعة» للنيوزيلندية جاين كامبيون عن الشاعر جون كايتس، و«اجتياح وودستوك» للتايواني آنغ لي عمّن نظّم تلك الحفلة المشهورة)، في حين أن المدّة الرسمية لأحدها، «فجأة الفراغ» للفرنسي الأرجنتيني الأصل غاسبار نويه (شقيقان مقيمان في طوكيو، يعانيان انهيارات وتحدّيات نفسية صعبة)، حُدِّدت بساعتين وثلاثين دقيقة، مع أن العرض الصحافي الرسمي الأول له شهد نسخة بلغت مدّتها ساعتين وخمساً وأربعين دقيقة. هذه المفارقة وصفها البعض بأنها تأكيدٌ على تَحرّر المخرج من ضغط المنتج، في حين أن رئيس المهرجان جيل جاكوب قال إن هذا الأمر يدلّ على أنه «ما من منتج خلف هؤلاء السينمائيين يُضيّق الخناق عليهم».

غير أن الإطالة الزمنية هذه لا تعكس، دائماً، براعة إبداعية في صناعة العمل الفني السينمائي، وفي إيفاء الفيلم شروطه المطلوبة للتكثيف الدرامي والجمالي، وفي حمايته من الثرثرة البصرية. مثلاً، بلغت مدّة «سفلة مجهولون» للأميركي كوانتين تارانتينو (جنود أميركيون يهود يُطاردون النازيين) ساعتين وأربعين دقيقة، وقع بعضها في فخّ الإطالة الخالية من عمق حكائي ودرامي؛ في حين أن «فجأة الفراغ» سقط في إطالة بصرية كان يُمكن تفاديها، على الرغم من أن نقّاداً عديدين دافعوا عن الانسجام شبه الكامل لهذه «الإطالة» (لم يعتبروها إطالة أصلاً) والسياق الدرامي للحبكة. هناك من قال إن جديد جاين كامبيون مليءٌ بثقوب درامية جرّاء سياقه البطيء؛ تماماً كـ«وجه» (ساعتان وثماني عشرة دقيقة) للماليزي تساي مينغ ـ ليانغ (عن كواليس المسرح)؛ علماً بأن المدّة الزمنية القصيرة (نسبياً) لأفلام أخرى لا تعني، دائماً، أنها تحرّرت من الثرثرة البصرية أو الفراغ الإبداعي، بدليل أن «خارطة أصوات طوكيو» للإسبانية إيزابيل كويكست (إسباني مقيم في طوكيو) مثلاً، غرق في الملل والإطالة غير المفيدة، مع أن مدّته بلغت ساعة وتسعاً وأربعين دقيقة، إلى درجة بدا فيها أنه أكثر أفلام المسابقة مللاً وبطئاً، على الرغم من ارتكاز مادته إلى قراءة الصدام الحضاري والثقافي بين الغرب والشرق الأقصى.
لكن المتعة الأجمل أن يُشاهد المرء فيلماً بديعاً، مشغولاً بحرفية صائغ معلّم، ومصنوعاً بحساسية فائقة من الانفعال واللاوعي الإبداعي؛ سواء بلغت مدّته عشرين دقيقة، أم تجاوزت الساعات العشر. المتعة الأقصى أن يغرق المُشاهد في الفضاء الجمالي المرسوم لوحات متتالية من الصوَر المتحرّكة على الشاشة الكبيرة، وسط عشرات مئات النقّاد والصحافيين السينمائيين داخل صالة واحدة. المتعة الأبهى أن يُسافر المُشاهد إلى التخوم الأبعد والأقسى للمتخيّل، الذي يصنع أجمل التعابير اللونية والمشهدية.

السفير اللبنانية في

04/06/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)