حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

رؤيه خاصه

 welcome

رفيق الصبان

لا أفهم كيف لم يحاول المسئولون عن السينما في بلدنا.. الحصول علي حقوق عرض هذا الفيلم الفرنسي الكبير الذي أقام فرنسا واقعدها.. وأجبر الحكومة ووزارة الداخلية علي تعديل قوانينها المتعلقة بهجرة الأجانب وحمايتهم وعلاقاتهم بالمواطنين الفرنسيين.

الفيلم يضرب بقوة وذكاء وحساسية في موضوع يمس فرنسا بالصميم.. ويمس مقدساتها ومبادئها وتشدقها بحرية وكرامة الانسان.. كما يدور حول الرجل الشرقي الذي أصبح حلمه الأكبر الآن هو في مغادرة البلاد التي ولد فيها وينتمي إليها.. والهجرة أو الهرب إلي بلاد أخري.. يعتقد أنها ستفتح له أبواب الجنة دون أن يدرك أنه قد فتح بكلتا يديه أبواب الجحيم.

هذا الفيلم البديع الذي أخرجه فيليب ليوريه يستمد عنوانه من سجادة صغيرة نقشت عليها كلمة  welcome بالانجليزية وتعني مرحبا.. أو أهلا وسهلا.. حسب مصطلحاتنا العربية.. فرشها رجل فرنسي متعصب أمام بيته كعنوان للتسامح والمحبة.. ويخفي وراءها كل كراهيته للأجانب وخصوصا العرب واحساسه بالفوقية.. واستعداده لاستعداء أبناء وطنه وملته اذا شعر أن في قلوبهم شيئا من التعاطف تجاه هؤلاء العرب اللاجئين الذين دخلوا خلسة إلي بلده.. وعليه أن يقاومهم كما يقاوم الحشرات التي تظهر في مطبخه.. وان يقضي عليهم برذاذ كراهيته وتعصبه وفوقيته الزائفة.

جمال هذا الفيلم البديع يكمن في قدرته علي نسج خيوط قصة حب مدهشة.. يبني علي أسسها أحداثه الفاجعة والتي تفضح بشكل مباشر وعلني وبصراحة مدوية.. خبث وجبن وتطرف المواطن الفرنسي الذي أعمته الدعايات المغرضة ضد العرب.. وتواطؤ النظام الفرنسي المتعصب مع هؤلاء الكارهين ليدفعهم إلي تصرفات لا انسانية تذكرنا بشكل مباشر بتصرفات النازيين ضد اليهود في أيام هتلر.

ممكن العرب هذه المرة.. هم الذين حلوا مكان اليهود.. وهم الذين أصبحوا يحملون الشارات الصفراء المهينة التي تدل علي تفردهم وهم الذين يتعرضون للاضطهاد والقتل والتجريح من فئة متعصبة أصبحت تشكل الغالبية العظمي من الشعب الفرنسي.. تحميها حكومة متواطئة.. تنادي بالعدل والمساواة والحرية بصوت مرتفع عال بينما تمارس القمع والاضطهاد والوحشية دون حدود ودون رقيب ودون أي وازع من ضمير.

بطل الفيلم شاب كردي عراقي.. هرب من بلده ليلحق بالفتاة التي يحبها.. والتي هاجرت مع أسرتها كلها بشكل قانوني إلي انجلترا.. حيث يعمل الأب.. وحيث تعيش الفتاة العاشقة علي حلم لقاء حبيبها.. الذي كرر مواجهة الاخطار كلها.. واللحاق بها إلي انجلترا.. متحديا كل الوسائل الممكنة والمشروعة وغير المشروعة لكي يصل إلي تحقيق غايته أن ينجح بمعجزة في الخروج من العراق والتسلل إلي تركيا.. ومنها إلي فرنسا.. حيث يقرر التسلل مع مجموعة من رفاقه المهاجرين من بلاد مختلفة »ولكن كلها بلاد عربية«.. من خلال عربية شحن كبيرة يتكومون داخلها.. وتجتاز بهم  بحر المانش.. وتوصلهم إلي هدفهم المقصود.. انجلترا بلاد الأحلام.

الفتي.. يتصل بحبيبته الصغيرة.. هاتفيا.. علي قدر ما يستطيع ليخبرها بقرب قدومه إليها.. وتحقيق حلمهما المشترك.. رغم الموقف العدائي الذي يتخذه والدها منه لانه يرغب أن يجد لها زوجا له اقامة ثابتة في انجلترا.. ويكفل لها مستقبلها ويحميها مما قد تتعرض له.

لكن الفتي.. لا يستطيع منع نفسه من التنفس والسعال أثناء توقف سيارة الشحن في الحدود الانجليزية.. مما  يلفت إليه أنظار الحراس الذين يقبضون علي المجموعة كلها.. ويعيدونها إلي فرنسا.

وفي فرنسا.. تبدأ معاناة الشاب الصغير.. الذي لم يعد يملك مالا.. ولا طموحا.. إلا الأمل البعيد في الوصول إلي بر انجلترا.. واللحاق بحبيبة عمره.. متمسكا بكل ما تملكه سنه الصغيرة التي لم يتجاوز فيها الثامنة عشرة بعد.. من أمل مجنون.. الأمل الذي يداعب قلب كل عاشق في هذه السن الغضة.

انه يقرر تعلم السباحة.. لكي يعبر وحده.. بحر المانش.. ويصل إلي شاطيء الأمان الانجليزي اذ لم يعد هناك أمل غير ذلك.

وفي المسبح العام.. يتعرف الفتي علي مدرس السباحة الكهل الذي يعطف عليه.. ويكاد أن يفهم سر حماسه الدافق ورغبته المجنونة بكسر حاجز البحر والوصول إلي الحبيبة التي تنتظره.. خصوصا أن هذه الحبيبة قد أصبحت مطاردة من أبيها الذي يصر علي تزويجها من رجل من أصحابه يملك مطعما وبيتا في لندن.

مدرب السباحة هذا.. رجل في خريف العمر.. انفصل عن زوجته التي يحبها.. ويعيش وحده في منزله الواسع وقد اصابته عدوي الحماس.. ولهيب العاطفة الذي يحرق قلب الفتي الصغير.. فقرر مساعدته.. بل وايواءه في بيته مع أحد رفاقه المهاجرين.. دون أن يدرك أنه في تصرفه هذا قد فتح لنفسه باب الجحيم.

اذ أن جارد المتعصب الذي وضع لافتة أهلا وسهلا أمام بيته يبلغ البوليس بأن جاره يؤوي فتي عربيا مما يعرضه للتحقيق والتفتيش بل والتهديد.

وتحاول زوجته السابقة أو مطلقته أن تحذره من عاقبة هذا العطف الذي سيؤدي به إلي مشاكل لا تنتهي.. ولكنه قد وقع تحت تأثير هذه العاطفة الحارقة المنبعثة من قلب الفتي.. يستمر في عناده.. رغم ملاحقة البوليس له وتهديده.. فالقانون الفرنسي يحرم ويعاقب كل من يمد يد العون أو المساعدة لأي عربي مهاجر وهذه العقوبة قد تصل إلي حدود السجن والغرامة المالية الكبيرة.. بل أن مجرد الحديث أو التعاطف مع عربي لا يملك اقامة رسمية.. هو نوع من الخيانة العظمي الذي يمكن لمرتكبها أن يعاقب بأقصي العقوبات.

أمر يكاد أن لا يصدق في بلد ينادي بصوت عال بالحرية واحترام حق الانسان ويحث علي المساعدة والتضامن الانساني.

الصورة التي يقدمها الفيلم للبوليس الفرنسي والادارة الفرنسية في هذا الصدد.. تشابه ان لم تكن تطابق. ما كان يفعله النازيون تجاه اليهود في سنوات الاربعين.. بل يفوقها أحيانا وحشية وتعسفا.. ويزيد من متعب الدولة والبوليس.. تعصب السكان الفرنسيين أنفسهم وموقفهم من هؤلاء الدخلاء الذي يجب التخلص منهم مهما كان الثمن.. دون أن يعبأ أحد منهم بتاريخ بلده الانساني وموقفها النبيل في الدفاع عن كرامة الانسان وحقوقه.

الفتي رغم التحذير يقرر خوض المانش سباحة.. ومدرب السباحة رغم الخطر يقف إلي جانبه ويواجه البوليس بجرأة.. رداً علي الاتهامات الظالمة التي تتهمه بالشذوذ والخيانة بالايجاب في محاولة لكسب الوقت.. خصوصا وان المعشوقة الصغيرة قد أصبحت قاب قوسين أو أدني من الزواج الذي يدبره لها والدها.

لا أريد أن اكشف خبايا هذا الفيلم البديع ونهايته الفاجعة الآسرة.. ولكن يكفي أن أردد انه صورة تحولت إلي صرخات تخرج من الاحشاء.. وان احداثه تحولت إلي خناجر حادة تطغي دون خوف ودون قرار القلب الانساني المفجوع.

الاداء المدهش الذي قام به الفتي الجزائري الذي يلعب دور العاشق العراقي الكردي.. يبقي لاصقا في الذاكرة كوشم النار.. كذلك اراد الممثل الكبير فنسنت لندن في دور مدرب السباحة الذي علمته تجربته مع الفتي الصغير العاشق كيف يعيد النظر تماما في مفهومه للحب.

كل مشهد في هذا الفيلم الفرنسي الكبير يصرخ.. وينادي.. وينبه ويلوم ويدافع عن القيم التي بدأت فرنسا تتخلي عنها.. وهي القيم التي جعلت منها في يوم ما.. المنبر الراسخ للحريات والكرامة الاسانية.

أن يجرؤ فيلم فرنسي علي أن يقول ما لا يقال.. وأن يوجه أصابع الاتهام إلي بلد بأكمله وإلي نظام شامل وأن يحاول أن يزيح العصابة عن أعين المواطنين الذين أعمتهم الدعايات الفاسدة المغرضة فأصبحت فريسة هشة للتعصب الأعمي والعنصرية.. كما فعلت دعاية جوبلز يوما ما بالشعب الالماني فاسكرته وخدرته.. وجعلت من الطاغية الذي حاربه العالم.

»أهلا وسهلا«  هو الفيلم الصرخة.. الفيلم الذي يقول دون خوف للفرنسيين.. انتبهوا فأنتم علي شفير الهاوية لا تبصقوا علي حضارتكم وعلي وعيكم الانساني الذي علمته فيه العالم، لا تتخلوا عن كرم القلب، وعن التعاطف البشري الذي ميز في يوم من الأيام حضارتكم الكبري. انكم تنزلقون دون أن تدركون لأعماق هاوية لا قرار لها.

فامسكوا بجدران ضميركم.. قبل أن يبتلعكم الطوفان

لقد قلل فيلم فيليب ليوريه فعله.. واجبر وزارة الداخلية.. أثر التأثير الشعبي الكبير الذي يتركه علي مراجعة قوانينها المتعلقة بحماية الأجانب ورعايتهم.

حقا.. انها لم تسمح بعد.. بهؤلاء الحالمين الذين هربوا من جحيم بلادهم ليواجهوا جحيم بلاد أخري.. نسيت الرحمة.. ونسيت الشفقة الانسانية وتجاهلت التعاطف البشري بأن يعيشوا عيش الكرام علي اراضيها.. ولكنها علي الاقل.. سمحت لأصحاب القلوب الكبيرة بمساعدتهم اذا ارادوا حقا المساعدة.. وهذا ماكان ممنوعا.. ومعاقبا عليه قبل ظهور هذا الفيلم.

welcome في عنوانه الساخر وفي رسالته الانسانية بوق انساني مدهش.. يعزف علي أوتار القلب ويتخذ منه قصة حب.. عرف كيف يصوغها بطريقة شعرية مؤثرة ستارا شفافا ليقول من خلاله ادوارا شديدة الخطورة وشديدة التأثر والوقع.

لا أفهم حقا.. كيف لا يعرض فيلم كهذا علي شاشاتنا.. كما يكون درسا للكثيرين لهؤلاء الذين يحلمون.. وهؤلاء الذين يموتون.. وهؤلاء الذين يحاولون.

فيلم يكشف أن البر الآخر.. الذي يعتقده هذا الشاب الحالم. انه بر الجنة ليس إلا موقعا جديدا زائفا للجحيم.

الجحيم الذي تؤخذ فيه العواطف.. وتخر فيه القلوب جريحة مدماة

ولا يبدو في افق الاحمر.. وفي ليلة الطويل أي نجم مضيء

أخبار النجوم المصرية في

29/04/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)