حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

أغورا.. جموع تعتقد وهمها لتلقي آخر في آتون الشك والاتهام

رؤى - وفائي ليلا

عرض حديثاً في صالات السينما في البحرين فيلم (ساحة أغورا) للمخرج الإسباني (اليخاندرو امينابار) والمُنتج في سنة (2009م). هذا الفيلم الجريء بكل المقاييس رغم طول ناهز الساعتين قدم لنا خلاله درساً في التسامح أولاً، ومحبة الحكمة والفكر الحر ثانياً، راصدا فترة زمنية مهمة من تاريخ الإنسانية (391م) وفي مدينة هي حاضرة المدن يومذاك ومركز اشعاع فكري وحضاري للعالم قاطبة، والذي تجسد في مكتبتها العظيمة، ومنارتها الشهيرة. ألا وهي مدينة الإسكندرية في مصر. حيث عاشت فيها في تلك الفترة ثلاث طوائف دينية مختلفة. الوثنيون، واليهود، والمسيحيون. والذين يتحاججون ويتحاورون في ساحة أغورا. الساحة التي سمي الفيلم باسمها. الفيلم بداية صورت أغلب مشاهده في ديكورات هائلة تجسد مكتبة الإسكندرية والساحة الشهيرة، وأسواق المدينة عموماً مع جموع بشرية هائلة أعطت للفيلم روحاً واقعية عالية المصداقية والحرفة. دارت عجلة التصوير في صفوف الفلسفة في تلك المكتبة حيث كان على رأس مفكري تلك الحقبة الزمنية الفيلسوفة (هيباتيا) عالمة الفلك التي تقوم بأبحاثها حول النظام الشمسي وفرضية كروية الأرض وسؤال العصر آنذاك حول مركزية مفترضة لها، أسئلة راهنة وجذرية كانت تتطلب الإجابة عنها. أدت هذا الدور وباقتدار وبوجه يلخص الدهشة والانخطاف العبقري للفكر، الممثلة البريطانية (ريتشل فايس).. امرأة وحيدة وسط عالم ذكوري، ومُقدس، لا يحترم حضوراً أنثوياً لافتاً وقائداً للرجال في عصر كان يعتبر المرأة والعبيد في أدنى درجات سلم احترامه وتقديره.

تلك الصفوف الفلسفية، كانت تضم علية القوم والأقل شأناً منهم أي العبيد على حد سواء، رغم أن العبيد كانوا يعاملون في ذلك العصر معاملة الأشياء لا معاملة البشر. (هيباتيا) كان من أحد أهم طلبتها عبداً مخلصاً ومحباً هو الممثل (ماكس مينغيللا) الذي يتحول تدريجياً إلى المسيحية ويتخلى عن مفاهيم التسامح والانفتاح التي تلقاها على يد معلمته الشابة.

إذا لم تهتم (هيباتيا) لا بالموقع الاجتماعي لتلاميذها، ولا بانتمائهم الطبقي أو الديني يهوداً كانوا، أم مسيحيين أو وثنيين فكلهم طلبة للعلم والمعرفة وأشقاء في ذلك. وما يجمعهم أكبر كثيراً مما يفرقهم هذه المقولة حاولت (هيباتيا) والمخرج تكريسها كهدف أخير لفيلم رصد صراع الجماعات المتطرفة لإلغاء بعضها البعض عبر التحريض والسخرية والقتل واستبعاد العقل والقانون والحكمة في التعامل مع الآخر المغاير. نلمس ذلك حين تعمد المخرج تصوير دعاة الفكر آنذاك في ساحة (اغورا) يقفون أعلى من جموع البشر وتبدو أرجلهم جاثمة فوق رقاب الحشود البشرية، كعامل هيمنة له علاقة بالتجييش والتحريض، أكثر منه دعوة للحرية والتسامح والحوار المتوازن العاقل.

(ريتشل فايس) أدت دور (هيباتيا) تلك العالمة والفيلسوفة المفتونة بالفلسفة والفكر والمعرفة، رغم صغر سنها والمحبوبة من كل تلامذتها الذين عشقوا شغفها بالفكر، وكذلك عشقوا المرأة فيها.. وكانت معادل لتلك الغوغاء والأفكار المتعصبة، ومنذ البداية تسعى هذه الفلكية للتوفيق بين أفكار طلبتها وتشجيعهم على الرؤية الكلية للاشياء وعدم إغفال الحقائق مهما صغرت. والبحث فيها واحترامها وهنا يؤكد الفيلم على أن البحث عن الحقيقة والمعرفة مازال مطلباً إنسانياً ملحاً من أجل خلاص الإنسان للحظي بحياة أقل ألماً ومعاناة. رغم جموع البشر المتنازعة التي تعتقد وهمها وتندفع كي تلقي بالآخر في أتون الشك والهلاك، لمجرد الاختلاف والتمايز، بتبسيط اعتادته العامة واستغلته السياسة بما يتلاءم وفن الانتهاز.

إذا بحاجبين مرفوعين دهشة وعينين لامعتين ترقبان سماء هائلة... استحوذت هذه الممثلة المرهفة الوجه، الدقيقة الملامح، على كامل المشهد، فملأت الشاشة جمالاً وفكراً وحذراً شاكاً بحقائق لربما ميتة ولا يجرؤ أحد إعلانها، أجادت هي بتعابيرها وأدائها تمثيل ذلك حتى أقصى الصدق والشجاعة.

أحبها تلامذتها وكأنهم من وراء ذلك أحبوا الفلسفة، التي أعطتهم الطريق والسؤال. وأهم من عشقها تلميذ لها هو (أوريستوس) الذي يصبح الحاكم الفعلي للمدينة، والذي يقف بجوارها للدفاع عنها حين يُحرض العامة ضدها، حتى يُرغم على الاستسلام. رغم أنها صرفته عن حبها إلى ما هو أجمل منها على حد تعبيرها ألا وهي الموسيقا، لافتة نظره أن ما رأى في كمالها ومثالية ما يراه بها، يخالطه أرضية انتمائها للكائن الناقص، عبر منحه منديلاً عليه دم انوثتها الذي من خلال تذكير تلميذها به، أن المثال لابد أن يعتوره نقص ما، عليه أن لا يغرر بعقولنا التي تتوق للمطلق ككمال لا يخالطه نقص أو شك.

أيضاً من جانب آخر كان من تلامذتها (دافوس) الذي التحق بالفكر المسيحي، وصار من أشد المتحمسين له إلى درجة انضمامه إلى أشد الفرق تعصباً في تطبيق المبادئ المسيحية بشكلها الصارم كمحاكم تفتيش (..) تتدخل في شؤون الناس ومعتقداتهم، ناصبة نفسها كقيم على الأخلاق والدين رافضة أي خطأ في تقييمها ورؤيتها للأشياء، ومن يحاول كما فعل دافوس عبر تساؤله (وماذا لوكنا على خطأ فيما نفعل، المسيح غفر لقتلته ونحن نعجز عن الغفران) ذات مجزرة بحق اليهود ارتكبتها تلك الجماعة، جماعته. ليواجه باتهام مازال صداه يرن بإصبع تهديده بالقول: (ومن أنت حتى تقارن نفسك بالإله وقدرته على التسامح والعفو ؟!!). هو ذاته الطالب الذي يتنكر لآلة بطليموس التي اخترعها في صف الفلسفة لتفسير حركة الكواكب السيارة، وحين سئل لاحقاً بعد تدينه عن معضلة كروية الأرض أو انبساطها، أجاب جواب المستقيل من الفكر (إن الله وحده يعلم) وهو الذي أحب (هيباتيا) واقتحم مخبرها العلمي بعد تنصره محاولاً مراودتها، نادماً لاحقاً حين أعطاها سكيناً لتقتله كعبد، لتقوم تلك الأخيرة ورغم ذهولها ودهشتها لسلوكه، تقوم بتحريره من عبوديته وتطلق سراحه، وتعفو عنه على عكس ما توقع. هذه السيدة التي يواجهها النبلاء بضرورة التعميد المسيحي ويسألونها عن معتقدها الحقيقي لتتمسك بالفلسفة كطريقة وجواباً للتفكير والفهم والشك وصولاً إلى يقين العلم لا افتراض الخرافة. هذه السيدة بما جسدته كونها امرأة أولاً في عصر ذكوري احتقر المراة وأهانها. والكتاب المقدس بدوره الذي لم ير في حواريي المسيح الاثني عشر أي أنثى يعتد بها، بل وليكرس مكانتها فقط في المنزل، للخدمة وليس للعمل. وأن لا تتدخل بعمل الرجال، أو تقوم بالتدريس أو مزاولة الفكر. ومن ثم قيام مفسرو الكتاب المقدس على التحريض لقتل (هيباتيا) كونها وثنية وساحرة، كما تحدث الكاهن (سيرل) في عظته، رغم أن هذه السيدة اكتشفت نظريات علمية انتظرت البشرية بعد قتلها، قروناً عدة كي تتأكد منها على يد (يوهانس كيبلر) مع عدم نسيان أنها كانت تدافع عن حق أي كان في الإيمان بما يشاء، فقط تدين التحريض على القتل، وفقط تدين تحويل الناس إلى مجرمين، وبتصفية بعضهم البعض على أساس المعتقد والاختلاف به. إذ نرى ذلك متجسداً بقوة في الفيلم عبر اقتحام المعابد الإغريقية والرومانية في مكتبة الإسكندرية من قبل الجماعات الملتاثة بواحدها الفكري، وهوسها بحقيقة تحتكرها لصالحها. لتهدم التماثيل والرموز الفنية، وتحرق الأبحاث العلمية والوثائق بدعوى انتمائها للتراث المغاير لقناعاتها. ولا ننسى دعوات الكاهن ذاته للتنكيل باليهود والفتك بهم ونهب ممتلكاتهم وقتلهم، طبعاً بعد قيام الأخيرين أيضاً بالمكائد والقتل بحق المسيحيين.. دوامات من العنف والعنف المضاد مبنية على هذا الحقد كله والغوغاء، والكل يقتل باسم الله. وقد أجاد المخرج في تصوير الجموع المهتاجة حين صورها من الأعلى فبدت كجموع جراد أو حشرات تنقض على حقول تبددها بعسفها الزاحف.

وحدها (هيباتيا) في عصر كهذا تحاول إنقاذ الوثائق الأكثر أهمية لتنقذها من ألسنة النار التي أوقدت وأيدي العتمة التي تمتد لتخنق نور العقل، مفكرة حرة تؤمن بالبحث والتجريب عبر الشك الموضوعي وصولاً لحقائق علمية توجتها لاحقاً، أماً روحية للعلوم الطبيعية الحديثة، ورمزاً للحكمة والمعرفة. ولتنتهي مقتولة ومسحولة في طرقات الإسكندرية على يد (البارابالاني) تلك العصابات المتطرفة التي شُكلت باسم تطبيق الدين وحمايته. إذاً.. تجرد (هيباتيا) من ملابسها وتقتل وتحرق جثتها بوحشية بالغة، ويُمثل بها حسب رواة التاريخ. أما في الفيلم فقد رفق بنا المخرج وبأعصابنا، إذا خنقها تلميذها (دافوس) قبل رجمها. ربما لتخفيف الصدمة علينا كمشاهدين. أو لسبب ما ارتأه المخرج.

الفيلم يطرح مشكلة الكائن في محيطه المتعصب، وكما وكأن التاريخ يعيد نفسه، كلٌ يقسر الآخر أن يشبهه ويحتذي بما ينتصر له.

هذا الفيلم انحاز أخيراً للسؤال، والفكر، والمساواة والتسامح. وأيضاً احترام القانون بما يكفل حق الجميع بالقول لا حقهم بالقتل. لقد صور الفيلم حشوداً لجموع تهجم على بعضها كقطعان جائعة للنهش وهي تصرخ الله واحد.. واحد.. وتدّمر في طريق هياجها الهستيري رموز ومعتقدات الآخر، وتقتل أتباعه بوحشية لا يمكن أن تصدرعن محبين لهذا الواحد. (أغورا) فيلم يقول الإنسان، ضيق أفقه، عنفه، لا تسامحه، حقده وتعصبه، كلٌ يبطش بنقيضه كي يُعلي راية ما يؤمن، وما يعتقد، على حساب القانون والمحبة الحقة.

(هيباتيا) تكتشف في نهاية الفيلم أن مدار الكواكب إهليلجيا على عكس السائد في ذاك الزمان. وأن الأرض تدور، وهي غير ثابتة، وهي ليست محوراً لكون يفترضه كتاب مقدس (...) أو دوائر تامة مثالية اخترعتها نظريات ناقصة. تفيض روحها أخيراً من سقف تلك المكتبة معبدها، أمام مسيح قتيل أيضاً ومعلق على خشب الكراهية والحقد، ومن إهليلج يتوسط سقف قاعة ترصده الكاميرا من الأسفل حيث أرض الواقع الذي وقفت عليه تلك الفيلسوفة بثبات، لترتفع الكاميرا شيئاً فشيئاً لترسم من الأعلى كما يرى مثاليو الحقائق.. مجرد دائرة متساوية النقاط عن مركز ومحور لم يعد يصلح لتوازن قوضته نظرية تلك المفكرة التي سبقت عصرها باكتشافاتها اللامعة، تفيض روحها أخيراً ولكن من دائرة مفتوحة على إهليلج ترصده عين المخرج القارئة حقاً للفكر والتاريخ والتي ترصد الراهن القائم الآن على ما يشبه ما حدث في ساحة اخترعها الفكر للحوار وقادتها أنياب متشهي الدم وحده، وفارضي الذات الواحدة البعد حتى الاختناق.. عين كاميرا تلتقط صورة أرض رائعة كاملة الاستدارة، كانت تعج قبل ساعتين في لقطاتها القريبة بالجثث والدماء لكائن وحش لم يعتد بعد وربما إلى الآن عالماً أزرقاً من أمن وسلام وطمأنينة نتوقه جميعاً.. ولا يحدث أبداً!

الأيام البحرينية في

13/02/2010

 

«أغورا»... دائرة هيباتيا

بني جمرة - ليلى محمد علي 

في فيلم «أغورا» للمخرج الإسباني اليخاندرو امينابار صرخت هيباتيا: لا، في وجه من قالوا نعم، هيباتيا عالمة الفلسفة في القرن الرابع الميلادي والتي عاشت أوج الصراع بين اليهودية والمسيحية رفضت أن تُسيس كما فعل الكثير، حين ختموا أدمغتهم باسم المؤسسات الدينية تارة والسياسية تارة أخرى، هيباتيا، التي ظلت تدور طوال عرض الفيلم في دائرة الشك، كانت تدور في أفكارنا ومعتقداتنا، لم تستقر ولم نستقر معها حتى انتهت حياتها، ولكن أفكارها ظلت تحلق في رؤوسنا كما الطير الضائع الذي يبحث عن مكان يستقر فيه.

جدلية العلم والدين، التي يتم طرحها في الكثير من الأعمال الفنية، والكتابية تمخضت في هذا الفيلم، فأنجبت لنا هيباتيا التي قالت للجميع نعم للعلم، لا للتطرف، أسلوب حضاري لنبذ العنف على جميع الأصعدة فالتطاحن الموجود في الكثير من المؤسسات يحتاج لمثل هذه الصرخة التي تحرك الشلل والجمود في تفكيره، تحرك الإبداعات التي تشلها النعرة العصبية والقبلية، التي تبحث عن متنفس يروي ظمأها فيأتي سفك الدم مع الأسف في غالبية الأحيان هو الحل لرأب الصدع، والأخذ بالثأر، ذلك الصراع الأزلي الذي لا ينتهي منذ أن قتل قابيل هابيل.

هيباتيا التي جسدت دور العلم والمنطق والتفكير، والسلام، آلت على نفسها أن تموت وأن يُمثل بجسدها، ولا أن تخضع لحكم التطرف الديني، والتعصب السياسي، فحين جرّد المسيحيون هيباتيا من جميع ملابسها في آخر الفيلم ليرجموها، فذلك اعتراف ضمني منهم بتجريد الحقيقة، ورفضها، لأنها في النهاية ستعريهم، وتسلبهم أفكارهم التي يتشبثون بها من غير أن يدركوا أنهم يعيشون الوهم ويتعلقون بأسبال الماضي الذي لا ينفع إلا مع العقول الساذجة البسيطة.

في كتابه «خارج الجماعة» تطرق نادر كاظم للفكرة نفسها تماما حين قال: «على أصحاب الهويات القاتلة أن يتفكروا قليلاَ لا في الأخوة الإنسانية التي تجمعهم مع البشر أجمعين، ولا في القواسم المشتركة التي يمكنهم اكتشافها مع آخريهم فحسب بل في حقيقة أن العنف الذي ينطلق بغاية إبادة الآخر ومحوه من الوجود ليس أكثر من فعل عبثي يخفق حتما في نيل مطلوبه».

لا يعني كوننا خارج الجماعة أن نسقط الآخر لا، فذلك إسقاط لأنفسنا وفكرنا أيضا أن نكون خارج الجماعة، هي أن نكون أحرارا من الأوهام، خارج الجماعة هي حفاظ على قدسية أفكارنا وعذريتها، لا نسمح لأحد أن يتعرض لها أو يهينها، نعيش في دائرة الشك لنصل إلى الحقيقة التي تسمو بنا لأننا نحن الذين صممنا على الوصول إليها، ولم تأتِنا معلبة جاهزة.

حاولت على رغم ادّعائي المتكرر بأنني متمرسة بعلم البرمجة اللغوية العصبية ألا أتأثر بدائرة هيباتيا إلا أنني وجدت نفسي وسطها وكل خطوطها تلفني فأدركت أنها هي أساسا تدعو الناس إلى عدم الخضوع لأية برمجة من أية جهة كانت.

يقول فردريك نيتشه: «إننا لن نحترق من أجل آرائنا لأننا غير واثقين جدا منها، وربما نحترق من أجل أن تكون لنا آراء، ويكون لنا حق في تغييرها».

الوسط البحرينية في

11/02/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)