حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

غزة وهايتي تخيمان على مهرجان الفيلم القصير في كليرمون فيران

القسوة أيضاً وأيضاً

نديم جرجورة/ كليرمون فيران

لا تنتهي متعة المُشاهدة. الأفلام القصيرة المعروضة في إطار الدورة الأخيرة (29 كانون الثاني ـ 6 شباط 2010) لـ«مهرجان الفيلم القصير في كليرمون فيران» في فرنسا، دعوة مفتوحة إلى تعارف أقوى مع هذا النمط البصري، المتزايدة سطوته في المشهد السينمائي الدولي. دعوة مفتوحة إلى متع انفعالية وفكرية، في مقابل ملل يسود العلاقة بين مُشاهد مهتمّ وأفلام لا تبلغ مرتبة الإبداع. ليست الأفلام العربية وحدها محتاجة إلى تأهيل جذري، أو إلى إعادة صوغ مشهدي. هناك أفلام غربية، وأخرى مقبلة من دول العالم الثالث. لا بأس. لا يُمكن الحصول على الكمال المطلق في برمجة يُراد لها أن تكون متنفّساً لاختبارات، ولقاء لتواصل أعمق ونقاش أفضل. في الدورة الحالية، محاولات واختبارات جديرة بالمُشاهدة، أي بالمناقشة. وهاتان المُشاهدة والمناقشة تتيحان فرصاً لتوطيد أواصر العلاقة السينمائية بين المدعوين جميعهم إلى تلك المساحة الأهمّ، الخاصّة بالفيلم القصير.

حراك إنساني

الجانب الإنساني، المنبثق من حالات مزرية أو صعبة مرتبطة بالسياسي والأمني والكارثيّ، حاضرٌ في أروقة المهرجان. في دورة العام الفائت، نشاط يساري واضح رافق الأيام السبعة كلّها. لقاءات وبيانات ودعوات. كانت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزّة مستمرة في إشعال النار. ناضل ناشطون فرنسيون يساريون، سواء التفّوا حول الصحيفة الفرنسية الشيوعية «لومانتييه» أم لا، ضد الممارسات الوحشية لدولة إسرائيل وجيشها إزاء قطاع غزّة وناسه. اليوم، لهيب الحريق الكبير الذي لفّ القطاع وناسه لا يزال يُحرِّض هؤلاء على متابعة الملف الإنساني. قبيل لحظات من إطلاق عروض البرنامج السابع في المسابقة الرسمية، مساء الثلاثاء الفائت، في القاعة الكبرى «صالة جان كوكتو» في «بيت الثقافة»، ألقت ناشطة فرنسية بياناً ندّدت فيه بإسرائيل، وبالحصار المفروض على قطاع غزّة. ندّدت فيه بمصر وممارساتها السياسية والميدانية ضد القطاع. لم تنسَ التخاذل الأوروبي، الفرنسي أيضاً، إزاء تلك الأعمال المشينة. غالب الظنّ، أن بياناً كهذا ألقي في الحفلات الأخرى الخاصّة بالبرنامج نفسه، المقدَّمة في صالات عدّة في المدينة الفرنسية هذه. السبب: افتتاحه بفيلم فلسطيني، مُنجز بمشاركة إنتاجية مع الولايات المتحدّة الأميركية، بعنوان «رؤوس دجاج» لبسّام الجرباوي. اختارت جمعية «فرنسا/ فلسطين تضامن» هذا البرنامج لإطلاق صرختها. لم تكن صحيفة «لومانتييه» بعيدة عن المناخ العام. خصّصت صفحتها الأولى، في العدد الصادر صباح يوم الجمعة، في الخامس من شباط الجاري، بقطاع غزّة. المناسبة: مناقشة الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير غولدستون، المتعلّق بإدانة إسرائيل لارتكابها «جرائم حرب» و«جرائم ضد الإنسانية»، قبل عام واحد أثناء اعتداءاتها الوحشية ضد قطاع غزّة وناسه. البيان المذكور أكّد، مجدّداً، مطالبته بمقاطعة البضائع الإسرائيلية وشركات غربية متعاملة مع إسرائيل، أو متعاطفة معها.

المفارقة كامنةٌ في مكان آخر. المقارنة لا تعني إساءة إلى أحد، بل محاولة متواضعة لتبيان مكامن خلل ما، أو خطأ معيّن. الغربيون، وبعض الإسرائيليين، مهتمّون بالجانب الإنساني البحت في قلب الصراع القائم بين فلسطينيين وإسرائيليين. الفلسطينيون، المنغمسون في العمل «الإبداعي»، عاجزون، بغالبيتهم الساحقة، عن الارتقاء بالنصّ الإبداعي إلى مستوى الصراع هذا، أخلاقياً وإنسانياً وإبداعياً. الفيلم القصير «رؤوس دجاج» متميّز، لناحية ابتعاده الواضح عن خطابية الصراع. غاص في تشعّبات حالة إنسانية عامة: أب وولداه مقيمون في البرّية، ويعيشون تفاصيل يومياتهم بشكل طبيعي. مشكلاتهم عادية. أحد الولدين متعلّق بغزالة. شقيقه متعلّق بكلب. نزاعات بينهما. حياة متكاملة في عراء الريف. الجماليات المستخدمة عادية. الميزة الأهم: ابتعاد مطلق عن بكائيات الصراع السياسي/ العسكري. غير أن مشكلته قائمة في آلية الاشتغال الفني. بساطته متمكّنة من مفردات سينمائية. لكن الإبداع غائبٌ.

عناوين متفرّقة

لم تكن فلسطين وحدها حاضرةٌ في النشاط الإنساني الخاصّ بـ«لومانتييه». الاهتمام بالعمل اليومي لهذه الصحيفة عائدٌ إلى انخراطها في دعم «مهرجان الفيلم القصير في كليرمون فيران». إنها أحد الرعاة الأساسيين. نشاطاتها إنسانية بحتة. هذا كلّه في مقابل تغطية صحافية خفرة للمهرجان نفسه. مهتمّة هي أيضاً بآثار الزلزال المدمّر الذي ضرب هايتي في الثاني عشر من كانون الثاني الفائت. يوم الخميس الماضي، أصدرت عدداً خاصّاً بالبلد وناسه. رفعت سعره إلى 2 يورو و30 سنتيم. هناك يورو واحد إضافي، عائدٌ إلى صندوق مساعدات خاصّة بالمشرّدين في هايتي. عدد مهمّ. فيه تحقيقات ميدانية وريبورتاجات متفرّقة. فيه شهادات لكتّاب فرنسيين وهايتيين. أبرزهم: ميشال لو بري (مدير «مهرجان مسافرون مدهشون»)، الذي سافر إلى هايتي عشية وقوع الزلزال تحضيراً لدورة جديدة لمهرجانه المذكور في العاصمة بورت ـ أو ـ برانس (ألغي المهرجان بعد وقوع الكارثة). الروائي والشاعر ليونيل ترويّو. الروائي داني لافيرّيار. الشاعر سيتو كافي. مقالات وشهادات وحوارات مع عاملين وناشطين هايتيين وفرنسيين وغربيين. إدانةُ السلطة في هايتي لفسادها. اهتمامٌ بالناس لوقوعهم ضحايا كارثة طبيعية ومساوئ بشرية. لم يكن ممكناً التغاضي عن العدد المذكور أثناء المشاركة في المهرجان. مع أن حضور هايتي ظلّ محصوراً بتداعيات الكارثة.

فلسطين. هايتي. المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الفرنسية. إضراب العاملين في قطاع النقل (السكك الحديدية تحديداً). المواجهة مستمرة بين العمّال ونقاباتهم من جهة أولى، والحكومة ورئيس الجمهورية من جهة ثانية. نيكولا ساركوزي مكروهٌ. سياساته الاقتصادية/ الاجتماعية لا تقلّ خطراً، أقلّه من وجهة نظر قطاع عمالي وثقافي وسياسي كبير، عن سياساته المتعلّقة بالهجرة والمهاجرين، كما بالعرب والإسلام (الحجاب. النقاب. الممارسات الدينية. الحريات العامة. إلخ.). الأمور الأخرى متنوّعة أيضاً. لكن، إزاء هذا كلّه، يبقى الأقوى، في كليرمون فيران، مهرجانها السينمائي المتعلّق بصناعة الفيلم القصير ومناخاته الدرامية وجمالياته الفنية والتقنية. أفلام وأفلام. تلتقي الجنسيات والأساليب بعضها مع البعض الآخر، وتختلف على مستوى الاشتغال السينمائي. دول ومجتمعات متصارعة فيما بينها، أو متكاملة مع بعضها بعضاً، وجدت في المهرجان مكاناً للتواصل من دون عقد أو أحكام مسبقة. المناخات المعتمدة متنافرة ومتصادمة، بالمعنى الجمالي والإبداعي البحت. الضحكة في مقابل اليأس. الكوميديّ في مقابل الدراميّ. المواقف القاسية في الحياة والعلاقات في مقابل البساطة والهدوء.

سائق شاحنة غاز وجد نفسه عالقاً وسط اللامكان، حيث الثلج والصقيع والعتمة والخوف والألم الداخلي. هذا فيلم إيراني بعنوان «مُجلَّد» (ترجمة العنوان الإنكليزي) لناغي نيماتي. مناخاته قاتمة. غرق الشاحنة في الثلوج بداية محطّة قاسية من التداعيات الذاتية. الكلام قليل للغاية. الموسيقى شبه غائبة. الجوّ العام مائلٌ إلى تشريح مبسّط وعميق في آن واحد للذات وأهوائها. لما وراء الذات وأهوائها أيضاً. هذه القسوة، قسوة العيش على التخوم الواهية بين الواقع والمتخيّل، أو بين الشرعي واللاشرعي، مادة أساسية للفيلم الألماني «سرقة» لبويتر جي. ليفاندوفسكي. مهاجرون روس غير شرعيين مقيمون في الهوامش المحطِّمة على ضفاف الحياة والمجتمع. الشاب ديما، أكثرهم حراكاً وسخرية، يُغرم بساره. لكن المشاكل كثيرة. الوضع غير مريح. الجنس هاجس. لكن الإقامة الشرعية هاجس مهمّ أيضاً. بيئة مريضة؟ ربما. لكن انعدام الحدود بين الدول مفيدٌ ومضرٌّ في آن واحد. الضيق قاتل. والهجرة، سواء كانت شرعية أم لا، وهم خلاص في بلدان مصابة، هي أيضاً، بأمراض شتّى.

قسوة وضحك

القسوة أيضاً وأيضاً. لكن، في إطار آخر. مراهقان اثنان عاشقان بعضهما بعضاً. مراهقان مقيمان في بيئة مثقلة بألف همّ. «أسافر لأنه متوجّب عليّ فعل هذا، أعود لأني أحبك»، فيلم برازيلي لدانيال آراغاو. علاقة حبّ حميمة بينهما مصَوَّرة عبر «إنترنت». الفضيحة الجنسية، في أوساط تلامذة المدرسة، كارثة. شَاهَد والد الشاب الفيلم. بدأت المشاكل. أساساً، ساد خللٌ فظيع بين المراهقين الاثنين. لعبة الألوان ذكية. الرمادي، الأقرب إلى الأسود والأبيض، محاولة لتفعيل سمة الغموض والالتباسات. إنها القسوة. في «كان ضائعاً ووُجِد» (كوريا الجنوبية) لجاي جين جانغ، امتدّت القسوة إلى آفاق أخطر. الابن المُصاب بعاهة ضائعٌ بين أم متوفاة وأب عائد إلى المنزل بعد غياب قسري. الأب الضائع لا يُدرك تصرّفاً سليماً. أراد قتل ابنه. أم إنه ليس ابنه؟ هناك أيضاً أسئلة أخرى: ذاكرة حرب. آلام ماضٍ. الأب العائد مثقل بألف خيبة وضياع. الصمت بارع في إثارة الانفعال. التوليف أيضاً.

في المقابل، هناك فيلمان جميلان ومضحكان. لا يعني هذا أن الأفلام السابقة ليست جميلة. لا يعني اليأس والقسوة والتوغّل في الراهن واليوميّ والإنساني المعاصر ابتعاداً عن الجماليات، أو اقتراباً منها. هناك اشتغالات سينمائية جدّية. لكن الكوميديا حاضرة. «قطار واقعٌ في الجنون» فيلم تحريك كندي لكوردل باركر. مقطورتان اثنتان مرتبطتان بمقطورة القيادة. أولى مخصّصة بـ«عُلّية» القوم، وثانية بالهامشيين. الأولى بورجوازية، والثانية بروليتارية. تعابير يسارية؟ ربما. غير أن اصطدام القطار ببقرة سائرة على السكّة الحديدية، يُطلق حالة من التساؤلات الخاصّة بالطبقات الاجتماعية وصراعاتها، بلغة كوميدية ساخرة. الرسوم موفّقة. الألوان جميلة. المعالجة طريفة. الكوميديا طريقٌ إلى فهم حالات ومواقف. أو إلى الضحك المجرّد من أي إسقاطات فكرية أو جمالية. والضحك موجودٌ في «أحبّ لوسي» (إنتاج مشترك بين المملكة المتحدّة واسكوتلندا وإنكلترا والدانمارك) لكولن كينيدي. تستفيق الفتاة صباحاً، فتنتبه إلى فقدانها أسنانها. ليس المهمّ معرفة السبب، وإن بدا السبب شبه واضح. سهرة ليلية. لهو وانشراح. لا تعرف سبب فقدانها أسنانها. تلتقي، أثناء نزهتها الصباحية وكلبتها لوسي، صديقاً مغرماً بها. لكنها تنتظر عودة حبيبها المسجون. ضاعت الأسنان. ضاع الكــلب والدراجة الهوائية. في دقائق لا تتجاوز الاثنتي عشرة فقط، علاقة جميلة بينهما، وبحثٌ عفوي عن الضائع، ولقاء سعيد في الخاتمة. الكلبة لوسي أكلت الأسنان، وعندما تغوّطت، عثر الصديق المغرم عليها. أي على الأسنان. مواقف ضاحكة من قلب القرف. لكن الفيلم كوميدي. أو أشبه بنكتة بسيطة وجميلة. والاشتغال السينمائي عادي، من دون أن يسقط في التسطيح.

السفير اللبنانية في

08/02/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)