تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

صراع الدراما على الشاشة

* أحمد طمليه

رغم الملاحظات التي تثيرها المسلسلات المصرية التي تحتشد بها الشاشة الصغيرة طوال شهر رمضان في كل عام ، ووصول بعض الانتقادات إلى حد تشكيك بعض النقاد بأن يكون ثمة لجنة فعلاً وراء اختيار المسلسلات التي تعرض ، يرى البعض أن المال ، والكسب السريع ، ونرجسية الممثل النجم هي التي باتت تتحكم في صناعة المسلسل. ورغم الخلاصات التي تم استنتاجها من العروض السابقة ، فإن من تابع ما عرض في شهر رمضان الفائت لا بد أنه قد لاحظ أن أغلب المسلسلات المصرية افتقدت الجديد ، وزخرت بالإطالة واللغو وحشو المشاهد بلقطات جامدة لا تهدف لأكثر من اكتساب الوقت ، وكسب الآلاف ، إن لم نقل الملايين جراء التعاقد مع المحطات الفضائية لعرض هذا المسلسل أو ذاك. وقد أثار هذا الأمر في حينه العديد من الانتقادات ، إذ رأى الناقد طارق الشناوي : "أن التلفزيون المصري أعلن وفاة الدراما المصرية ، فلا يوجد عمل يلفت الانتباه أو يجعل المشاهد في حالة تشوق ودهشة" ، وذهبت الناقدة ماجدة خيرالله إلى القول إن هناك تراجعاً مرعباً في الدراما المصرية مقابل تألق الدراما السورية. ويزيد على ذلك المخرج محمد فاضل فيقول: لقد انقلبت الأوضاع ، وضاع الترتيب الطبيعي للدراما ، وتحولت مقاييس العمل الفني عن الأسلوب المعتاد لها ، فجاءت النتيجة في مستوى لا يرضي أحداً. وخلص الكاتب محمد جلال إلى القول: "واضح أن لغة المال هي التي تتحكم في عرض الأعمال ، فإذا أردت أن يذاع مسلسلك في رمضان لا بد أن يقدمه أحد النجوم فنحن نعيش عصراً بات النجوم فيه يتحكمون في الدراما".

رغم كل هذه الانتقادات ، إلا أن من يتابع ما يطرح من مسلسلات مصرية في الدورة الحالية خلال شهر رمضان ، يلاحظ أنه لا يوجد اختلاف جذري في الأسس التي تحكم إنتاج هذه المسلسلات ، من حيث ابتعاد مضامين هذه المسلسلات عن نبض واهتمامات ويوميات المشاهدين ، ودورانها في فلك ما نسميه "بنات أفكار" هذا الكاتب أو ذاك. وإذا كان الوقت ما يزال مبكرا لمحاسبة هذه المسلسلات إلا أن ثمة أسئلة تدور في الذهن ، منها الجدل حول الدراما السورية والمصرية ؟ وهل ثمة صراع بينهما.

لنقل أننا في الأعوام الأخيرة صرنا نلاحظ ازدحام الشاشات بالمسلسلات المصرية والسورية ، وأحيانا مسلسلات مصرية سورية في آن ، مما يوحي أن ثمة تنافسا فعلاً. ولعل هذا التنافس بدأ قبل عقد تقريباً ، عندما اقتحم الشاشة الصغيرة المخرج نجدة أنزور بمسلسلات اكتسبت شكلاً ، وعرضاً ومضمونا مختلفاً مثل : "الكواسر" و "الجوارح" في وقت كانت فيه الدراما المصرية تكتسح تقريباً جميع الفضائيات العربية ، التي كانت تتبارى في التنافس لشراء حق عرض هذا المسلسل أو ذاك حصرياً.

مع نجدة أنزور ، ومع التجديد الذي أحدثه ، لاحظ الجميع الفراغ الشاسع في فضاء الدراما العربية ، وأدرك البعض أن تفرد الدراما المصرية في المشهد ، إنما هو ناجم عن غياب المنافسة الحقيقية ، فراحت الكثير من الشركات المنتجة تغامر في إنتاج مسلسلات مختلفة ، وصرنا نلاحظ أطيافاً وألواناً جديدة لتلك المسلسلات ، منها البدوي والخليجي ، ومنها البدوي المتحضر ، وهناك بالطبع السوري والمصري. وبرزت في هذه الأثناء الساحة الأردنية ليس باعتبارها مسوقة للدراما بل باعتبارها تحتضن الكثير من الكفاءات والطاقات القادرة على الإسهام في إنجاح الدراما العربية ، فصار ثمة حضور للممثل الأردني ، وللمخرج الأردني ، وللطاقات الفنية الأردنية ، غير أنه حضور كما أشرت ، لم يسهم في صناعة دراما أردنية ، بل ساعد بشكل فاعل في إنجاح الدرامات العربية الأخرى. ويكفي في هذا السياق الحضور اللافت الذي حققه الموسيقي الأردني طارق الناصر ، وإسهامات الموسيقي الأردني وليد الهشيم في الكثير من المسلسلات العربية ، وباتت وجوه ممثلينا: عبير عيسى ، محمد العبادي ، زهير النوباني ، مألوفة على الشاشات العربية ، بل إن اسم المخرج الأردني محمد عزيزية بات مطروحاً ومنافساً في أوساط المخرجين العرب.

في ظل هذه الحيوية التي شهدتها الدراما العربية في ساحات فنية كانت مستهلكة وغير مصدرة ، واصلت الدراما السورية حضورها ، ولا أقول تقدمها ، خالطة أحيانا الغث بالسمين ، مكثرة من الإنتاج على حساب الجودة والمضمون ، وأثمر ذلك عن الكشف عن طاقات فنية مكتملة النضج والحضور وخاصة على صعيد التمثيل ، وأخص بالذكر: سلاف فواخرجي وجمال سليمان ، اللذين باتا يقتحمان الساحات الفنية العربية وتحديداً الساحة الفنية المصرية واقتناص فرص نجومية يبدعان فيها.

وكان الملاحظ هنا أن الممثل السوري قادر على أن يحلّ محل الممثل المصري بأدائه وانفعالاته وحتى بلهجته ، وهذه المفارقة لاحظها المراقبون ، فالسوري يتحدث المصرية بل وحتى اللهجة الصعيدية بطلاقة ، في حين أن الممثل المصري من الصعب عليه أن يتقن لهجة غير لهجته ، وإذا حاول أن يحكي اللهجة السورية أو اللبنانية أو الأردنية فإنه يعجز عن ذلك ولا بد أن يبدر منه حرف ، أو أن تكشف مخارج الحروف لديه أنه مصري.

لكن هل يكفي هذا الأمر لأن تتجه أنظار المشاهدين نحو الدراما السورية التي باتت موزعة بشكل لافت على شاشات الفضائيات العربية ، في حين انحصرت الدراما المصرية في قنوات بلدها وشاشات فضائيات الدول الصديقة؟

في تقديري إن الأمر لا علاقة له بكفاءات وسطوع نجم ممثلين معينين على حساب ممثلين آخرين ، فلا أحد يستطيع أن ينكر على الساحة المصرية عراقتها وكفاءاتها ، غير أن الأمر له علاقة بمضمون خطاب الدراما السوري الجديد الذي حمله على عاتقهم مخرجون مبدعون أمثال نجدت أنزور وحاتم علي ، وهو خطاب يميل إلى مخاطبة وجدان المشاهد العربي ، فعادت الأسرة العربية إلى الشاشة ، وتم إحياء طقوس أوشك الزمن أن يعفي عليها مثل النخوة وصلات القرابة ، والشهامة ، وبعض العادات والتقاليد العربية القديمة ، والحب ، فيما واصلت الدراما المصرية اجترار قضايا الفساد ، وازدواجية الخير والشر. وفي حين نجحت الدراما السورية في تقديم وجوه جديدة نجحت في وقت قياسي بالوصول إلى" النجومية" ، ظلت الدراما المصرية تعتمد بشكل أساس على وجوه قديمة وكأنها تعتقد أن هؤلاء النجوم المعتقين يحملون العصا السحرية .

إن التنافس بين الدراما السورية والمصرية على شاشات الفضائيات العربية أبرز أمرين ، الأول: رغبة المشاهد العربي في البحث عن الجديد. ثانياً: ميل المشاهد العربي إلى المضامين التي تداعب وجدانه وتثير عواطفه.

غير أن السؤال الأهم أبعد من ذلك وجوهره: ما الذي يمكن أن يشدّ المشاهد لمسلسل يومي يزيد عدد حلقاته عن الثلاثين حلقة وربما أكثر ، وما هي القصة الجوهرية التي يمكن أن تستدعي كل هذا الوقت من الثرثرة على الشاشة الصغيرة؟ فالأصل أن تنطوي أحداث المسلسل على "عقدة" تمر في سياق درامي إلى أن تحلّ في نهاية المطاف ، فلا يوجد نهايات مفتوحة في المسلسلات ، إذ لا بد من خاتمة ، أو نقطة في نهاية السطر. هذا ما دأب عليه صنّاع المسلسلات منذ امتهان هذا النوع من الدراما الفنية ، فقبل سنوات كان المسلسل ، في أحسن حالاته ، لا يزيد عدد حلقاته عن ثلاث عشرة حلقة وينتهي الأمر ، وغالباً ما كان ثمة قصة محورية تدور حولها الأحداث ، وكنّا نلاحظ في هذا السياق أن الكاميرا كانت تركز على البطلين ، فلا تفاصيل كثيرة في المسلسل. وفي ظل هذا الاختزال للحالة برمتها كان المسلسل ينتهي بعد اللغو والإطالة ، والكلام الفارغ بعدد حلقات محدودة مقدور على متابعتها حتى ولو على مضض.

أما اليوم فقد اختلف الحال ، فالمسلسل "الميت" لا يقل عدد حلقاته عن الثلاثين حلقة ، مما أوجد معضلة اسمها الوقت ، فالمعروف أن الاختصار وضيق الوقت يعفي القائمين على المسلسل من الدخول في الكثير من التفاصيل. أما مع كل هذا الوقت المتاح على مدى ثلاثين حلقة ، فإن التفاصيل هي الأساس ، وضخ الحياة في الشخوص هو الأصل ، وإضفاء الواقعية على مجريات الأحدث هو المطلوب ، فلا يمكن أن أنتظر البطل ثلاثين حلقة ، أي ثلاثين يوماً ، كي يحقق غايته ، وتظل عين الكاميرا مركزة عليه طوال الوقت وهو يتنقل مترنحاً من هذه الزاوية إلى تلك ، دون جسّ نبض للحياة سواء فيه أو في من حوله ، أو الانتظار ثلاثين حلقة في انتظار "حبكة" تحل في النهاية من تلقاء نفسها.

أقول إن هذا هو السؤال الأهم ، فالمسألة ليست في جنس العمل الفني إن كان مصرياً أم سورياً أم حتى تركياً ، بل بالتوجه نحو مسلسلات تتضمن ما يزيد عن ثلاثين حلقة ، ومنها ما تحول إلى أجزاء مثل مسلسل "باب الحارة" ، وهذه تحتاج إلى آليات مختلفة في العمل ، وإلا فأن السقوط الفني يكون عاماً ولا يميز بين النتاج الفني لهذا القطر العربي أو ذاك. ولعل هذا مدخل الحديث عن مسلسل "باب الحارة" ومسلسلات رمضانية أخرى في مقالات قادمة،

الدستور الأردنية في

28/08/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)