تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

أوديب يظهر من جديد في المسيح الدجال

صلاح سرميني من باريس

سينمائياً، يُقسّم المخرج الدانمركي "لارس فون ترير" فيلمه الروائي الطويل Antichrist "المسيح الدجال" إلى مدخلٍ، وخاتمةٍ بالأبيض، والأسود، وثلاثة أجزاءٍ بالألوان.

يُعتبر "المدخل" قصيدةً بصريةً بامتياز، تتباطأ فيها حركة الشخصيتيّن، الزوج، والزوجة/هو، وهي "وليام دافو، شارلوت غينسبورغ"، وعناصر الصورة إلى حدٍ بعيد، وتكتسب مسحةً شعريةً مُتألقة.

بينما يتسامى شريط الصوت بقطعةٍ موسيقيةً بعنوان "Lascia ch'io pianga"(دعني أبكي) مأخوذة من أوبرا "رينالدو" للمُوسيقيّ الألمانيّ "جورج فريدريك هاندل". 

وتُعتبر الحركة البطيئة في السينما مفردة جمالية مُتداولة جداً، ومن إحدى وظائفها التخفيف كثيراً من واقعية الحدث، ومنحه طابعاً حُلميّاً راقصاً.

المُشاهدة المُتيقظة لن تعثر في ثنايا اللقطات المُتوسطة، والكبيرة لذلك المشهد على أيّ إثارةٍ شهوانية "إلاّ إذا كان المُتفرج يبحث عنها"، حتى وإن تخيّر المونتاج لقطةً كبيرةً جداً لأجزاء حميمة من جسد الزوجيّن، تُعيد "الفعل" إلى مستواه الماديّ، الأرضيّ.

آهات السعادة، والنشوة المُجسّدة للحياة/صرخات الألم، والعذاب المُوحية بالموت، والمقصيّة تماماً من شريط الصوت، تمنح مكانها لسلطة الصورة المُتأرجحة مابين الثبات الفوتوغرافيّ، والحركة السينمائية.

والحالة التي تُضفيها موسيقى "هاندل" تُحوّل اللقاء بينهما من ممارسةٍ جسدية "مُدنسّة" إلى التحامٍ ميتافيزيقيّ "مُقدس".

التفاصيل المُكوّنة لتلك اللقطات، وتتابعها المونتاجيّ، تُنبئ بالسقوط، ومن ثمّ الموت:

تتراقص قطرات المياه قبل اصطدامها ببلاط الحمام، تتوّهج ندف الثلج في العتمة قبل أن تتلقفها سجادة بيضاء فرشتها الطبيعة أمام المنزل، يختلّ توازن دُمية، وألعاب صغيرة، وتهتزّ مضطربةً قبل سقوطها فوق أرضية غرفة الطفل الذي يصحو من نومه قلقاً من وحدته، يتوجه نحو الباب المُجاور، ويلمح خيالات والديه في التحامٍ لم يألفه بعد، ومن ثمّ تقوده "خطواته المُتعثرة"، والصدفة، أو القدر نحو النافذة التي فتحت الرياح ضفتيّها، فيسقط منها، بينما تصعد ذروة النشوة إلى السماء.

في تلك اللحظات "السينمائية"، تختلط لقطات الحياة مع الموت، والسعادة مع الألم.

لن تُقدم القراءة المُتسرّعة لذلك المشهد أكثر من تفسيراتٍ بسيطة، ومُبسّطة، حيث لا تؤكد تفاصيله رؤية الأم لطفلها الباحث عن الأمان، أو شعورها بتواجده أصلاً.

هي تمارس حقها الطبيعيّ مع زوجها، فعلٌ لا يدعو إلى الريبة، واتهامها بتفضيل رغباتها، حتى وإن تذكرت فيما بعد صحوته من نومه فجأةً في بعض الليالي.

الأكثر إثارةً في ذلك المشهد، "لقطة اعتراضية" لن ينتبه إليها أحدٌ في البداية، كبيرةٌ بما يكفي لإظهار فردتي حذاء الطفل في وضعين مُتعاكسين عن المألوف، سوف يؤديان إلى عرجٍ في مشيته، واختلال توازنه, وقد تخيّر السيناريو تفسيرها لاحقاً من خلال صور فوتوغرافية يعثر عليها الزوجان في الكوخ الذي يلجأ إليه في الغابة "المكان المجازيّ للجنة، والجحيم"، كانت الأم تتعمّد وضعهما في قدميه بوضع مُعاكسِ "اليمين في قدمه الشمال، وبالعكس" كي لا يبتعد عنها كثيراً، وهكذا، يصبح الأمر ـ من وجهة نظر الزوجيّن ـ سبباً مُحتملاً لسقوط الطفل من النافذة. 

المُشاهدة المُتمعنة لتلك اللقطة العامة، تكشف عن "سقوطٍ" غريبٍ للطفل، وقصديّ، الحركة البطيئة المُسيطرة على الصورة "على عكس تأثيرات الحركة الطبيعية التي تجعل الحدث صادماً"، كما موسيقى "هاندل"، تُظهره يهوي بنعومةٍ مثل طائر، سعيداً، وملامح ابتسامةٍ غامضة مُرتسمة على وجهه.

فاجعةٌ عائليةُ كهذه لن تمرّ بسلام، وهو ما حدث فعلاً، حيث الحزن، وألم الفقدان، والشعور بالذنب سوف يؤدي غالباً إلى إصابة الأمّ باكتئابٍ حادٍ يحتاج إلى وقتٍ، وصبرٍ لمُعالجته.

و"السقوط"، مفردةٌ مُتداولة في "العلاج النفسيّ"، كما الأحلام، الكوابيس، الهلوسة، الشياطين، والملائكة.

والخوف احد أعراض المرض، وللتخلص منه ـ وُفق الزوج المُعالج ـ يجب مواجهته باللجوء إلى الغابة المُتخيّلة التي تخاف الزوجة منها "الجنة، والجحيم"، والغوص في أعماقها "هي".

أوديب ملكاً

كنت أتمنى الوقوف عند هذا الحدّ من قراءتي لمدخل فيلم "المسيح الدجال"، غير أنّ الصدفة الإيجابية، والمنهجية، قادتني إلى مُشاهدةٍ أخرى لفيلم "أوديب ملكاً" (إنتاج عام 1967، وإخراج الإيطالي "بيير باولو بازويني")، وبالتحديد، اللقطات الافتتاحية الأولى منه، وتبيّن لي بأنّ "لارس فون ترير" لم يكن غافلاً عنها.
ومع أنّ اللقطة الأولى تُظهر حجراً منقوشاً عليه سهم يُشير إلى اتجاه الطريق نحو مدينة "طيبة"، إلاّ أنّ "المُقدمة" اللاحقة تحدث في قريةٍ إيطالية بداية  القرن العشرين "العشرينيّات"، ومن ثم تعود الأحداث إلى اليونان القديمة.

وفي "خاتمة" الفيلم، تقفز الأحداث مرةً أخرى إلى إيطاليا نهاية الستينيّات، حيث يعود "أوديب" إلى منزل طفولته، أعمى، يعزف النايّ.

في اللقطات الافتتاحية التي تهمّني، ينظر الأب إلى ابنه القابع في عربته، وتظهر على الشاشة كلماتٌ تفسيرية على طريقة الأفلام الصامتة، مناجاةُ داخليةُ تُجسّد ما يفكر به في تلك اللحظات:

"لقد وُلدت لتأخذ مكاني في هذا العالم، وتقذفني في العدم، وتسرق مني ما يخصّني، هي التي سوف تستحوذ عليها أولاً، المرأة التي أحبها، على أيّ حال، لقد سرقتَ حبها مُسبقاً".

في لقطةٍ تالية، تنظر الأمّ إلى طفلها الراقد في سريره، وتُتمتم: إنه نائم.

تعود إلى زوجها، يتعانقان، ويُغادران البيت لقضاء سهرة في المنزل المُقابل، يصحو الطفل من نومه، ينادي أمه الغائبة، تقوده "خُطاه المُتعثرة" نحو الشرفة، يشاهد والديه من بعيدٍ، يتعانقان مثل شبحين.

تنطلق في السماء الحالكة أضواء ألعاب نارية، يبكي الطفل خائفاً، ويمدّ يده عبر الحاجز الحديديّ للشرفة، يعود الأب، والأم من سهرتهما، الطفل نائمٌ من جديد، يستلقيان على السرير، يصحو الطفل، يستمع إلى حركاتهما، وتأوهاتهما.

الأب قلقٌ، يفكر، ينهض من سريره، شريط الصوت يستبقُ اللقطة اللاحقة، صوت ناي أشبه بصفير، وإيقاعات طبل، يمسك الأب بقبضتي كفيّه قدمي الطفل الذي يتألم، وينادي أمه.

وتعود الأحداث مباشرةً إلى زمانٍ، ومكانٍ أسطورييّن، وتستمر حكاية "أوديب".....

التشابه الكبير مع تيمة "مدخل" فيلم "المسيح الدجال"(وهي أبعد أن تكون انتحالاً)، تجعلني أميل إلى تحليلها بالارتكاز على التراجيديا اليونانية التي كتبها "سوفوكليس"، وتبناها "فرويد" كأحد تفسيراته للنفس البشرية.

أكمل"سوفوكليس" حكايته، وربط "بازوليني" بين إيطاليا المُعاصرة، ورؤيته الأسطورية، ولكن "لارس فون ترير" لم يتأخر كثيراً بتحقيق رغبة الأبّ/الملك "لايوس" في الأسطورة عندما طلب من حارسه التخلص من "أوديب" قبل أن يكبر، وتتحقق نبوءة العرّاف، فيقتله، ويتزوج من أمه "جوكاست"(ولكن القدر أرسل له راعياً لإنقاذه، وأعطاه إلى ملك "كورنثة").

في "المسيح الدجال" مات الطفل، وتسلل "أوديب" إلى أعماق الأب، والأم على السواء، وأصبحت "العقدة" من يستحوذ على الآخر، حباً، أو قتلاً، لعبة أدوارٍ بينهما، لم يخفِ الزوج تقنياتها عندما قال لها:

ـ سوف أجعلك تشعرين بأقصى حالات الألم.

ـ كيف ؟

ـ سوف أقتلك.

وكما تخلص "لارس فون ترير" من أوديب" جسدياً، جعل الزوج يستعين بطرائق "العلاج السلوكيّ" لشفاء زوجته، مُستبعداً نظريات "التحليل النفسي" وُفق "فرويد" الذي مات على حدّ تعبير الزوجة.

ولكن، على عكس رغبته، سوف يتذوّق الزوج بنفسه علقم العذاب عندما تثقب الزوجة ساقه بساديةٍ فظيعة، وتُدخل فيها حجراً دائرياً كبيراً بما يكفي كي يبقى مُلتصقاً بالأرض، متألماً إلى الأبد "مُقاربة مع الميثولوجيا الدينية لآدم، وحواء"، وعندما يعثر على المفتاح، ويتخلص من الحجر، سوف يصبح عاجزاً، يعرج، تماماً كما المعنى الحرفيّ لـ"أوديب": الشخص الذي يعرج، أو القدم المُتضخمة، القريب من المعنى المجازيّ: اختلال توازن الطفل بسبب الوضعين المُتعاكسين لحذائه، وسقوطه من النافذة.

يقتل الزوج زوجته، يخنقها (تنتحر"جوكاست" في التراجيديا اليونانية، وتشنق نفسها في فيلم "أوديب"ملكاً")، ويبقى وحيداً في الغابة، ينظر إلى حيواناتها الغريبة، يشعر بانتصارٍ "مُنحرف"، بينما يتوافد إليها تدريجياً نساء تعمّدت الصورة إخفاء وجوههنّ، وإن اقتربت الكاميرا من إحداهنّ، فإنّ مسحةً ضبابية مُصطنعة سوف تغطي وجهها، وتنزع عنه ملامحه. 

فارينيللي

وبمُشاهدة الفيلم الفرنسي/الإيطالي/البلجيكي Farinelli (إنتاج عام 1994، وإخراج البلجيكي "جيرار كوربيو")، سوف نسمع القطعة الموسيقية نفسها "Lascia ch'io pianga"(دعني أبكي) في المشاهد الختامية للفيلم، يُغنيها "فارينيللي"، مُتألماً، ومُتطهرا من "عقدة الاخصاء" التي لازمته طوال حياته.

في بداية الفيلم، يعمد الأب إلى اخصاء ابنه "كارلو" كي يحتفظ بصوته الطفوليّ الملائكيّ، ويُكمل مسيرته المهنية بعظمةٍ مع أخيه المُؤلف الموسيقيّ الفاشل"ريكاردو".

 وبالعودة إلى مدخل، وخاتمة فيلم "المسيح الدجال"، سوف نعثر على القطعة الموسيقية نفسها، ونصطدم بتيمة "الاخصاء"نفسها  التي تحولت إلى "إقصاء" الطفل جسدياً، بموته في بداية الفيلم.

من جهةٍ أخرى، تُضفي التقاليد الشعبية الأوروبية على "شجرة البلوط" نوعاً من القداسة، وتمنحها دلالاتٍ كبيرة، هي بضخامتها، عظمتها، ورسوخها، ترمز إلى الرجولة، القوة، القدرة على التحمّل، والحياة المديدة.
كانت تلك الشجرة العملاقة حاضرةً بعنفٍ مشهديّ، ودلاليّ في الغابة، حيث يمارس الزوجان ملذاتهما، وخطاياهما تحتها "مقاربةُ أخرى مع الميثولوجيا الدينية لأدم، وحواء"، تختلط جذورها، وفروعها المُتشعبة بأجزاء من أجسادٍ بشرية، ومن خلالها يُحقق "لارس فون ترير"(ومدير التصوير أنطوني دود مانتلي) تكويناتٍ جمالية مُدهشة، ومشهداً عبقرياً مُضاداً للسوريالية/
anti-surréalisme (ولن أقول "دجل السوريالية" لأنني من المُدافعين عنها) ينضح بالكثير من العقل، والحكمة.

ولكنه، بالآن ذاته، وفي مشاهد أخرى، يضخّ شريط الصوت بقرقعةٍ غريبة لسقوط ثمار الشجرة فوق سطح الكوخ الذي يأوي إليه الزوجان( تعني كلمة Gland بالفرنسية ثمرة شجر البلوط البيضوية الشكل، ولكنها، ويا للصدفة، تشير أيضاً إلى مقدمة قضيب الرجل).

تفاصيل تُنبئ بالأحداث اللاحقة، حيث تتجسّد فكرة "الإخصاء" بوضوحٍ في المشهد الأكثر إثارةً للجدل، عندما تتعمّد الزوجة ضرب زوجها في مكانٍ مُحددٍ بين ساقيه، وفي منتصف "فعلٍ جسديّ" لم يكتمل، تقوم بتدليك عضوه الذكريّ إلى حدّ الاستمناء دماً، قبل أن تقبض على مقصٍ، وتقطع أهم جزءٍ في أنوثتها.

عندما يصبح الرجل "مخصياً"، وتفقد المرأة خصوبتها، ألن تعيش البشرية "كارثة قيامية"، ويظهر "الأنبياء الدجالون" قبل أن يعبر الباقون على قيد الحياة الجسر الواصل بين الجنة، والجحيم؟.

 

Antichrist 2009

المسيح الدجال، المسيح الضدّ، أو ضدّ المسيح وُفق بعض الترجمات.

من إنتاج : الدانمارك، ألمانيا، فرنسا، السويد، إيطاليا، وبولندة.

سيناريو، وإخراج الدانماركي "لارس فون ترير"

تمثيل : وليام دافو، شارلوت غينسبورغ،

إيلاف في

24/08/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)