تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

المنحى الرمزي في السيرة المرئية... شريط أي كلام أنموذجًا

عدنان حسين أحمد من لندن

لا بد من التنويه إلى أهمية البُعد الرمزي لفيلم "أي كلام" للمخرج المصري محمد سعيد محفوظ الذي أسندت اليه جائزة لجنة  التحكيم الخاصة في مهرجان الجزيرة الدولي الخامس للأفلام الوثائقية. ولا يمكن قراءة هذا الفيلم وتحليله بصريًا من دون الأخذ في الإعتبار كل الاحالات الرمزية التي ينطوي عليها الفيلم بدءًا من العنوان، مرورًا بمقصات الرقيب والطبيب، وانتهاء بهروب شخصية الكائن السيري صوب قرص الشمس المزروع في كبد السماء.

لو دققنا النظر في عنوان الفيلم العربي "أي كلام" فإنه سيحيلنا حتمًا الى نقيض الدلالة الكامنة فيه لأن المخرج يريد القول في نهاية المطاف بأنه جاد وهادف وذاهب باتجاه الرصانة الى أقصى مداها حتى لو تطلب الأمر البدء من جديد بعد مدة المراجعة الذاتية التي استغرقته وقتًا غير قصير. أما العنوان الانكليزي "Nonsense" فلا يختلف كثيرًا من حيث الدلالة لكنه يشير من طرف خفي الى أن الإعلامي أو "المثقف" قد يذهب ضحية شهرة فارغة ما لم ينتبه جيدًا الى الأرضية التي يقف عليها، ويتأكد من أنها صلبة وقوية، وليست رخوة وهشّة، تمامًا كما انخدعت الشخصية السيرية في هذا الفيلم، واستفاقت مؤخرًا على "مديح" السيدة المصرية التي كانت تجد في برنامجه الهادف مادة مسلية تنتشلها من السأم والضجر اللذين يلفان حياتها في منفاها النيوزلندي.

البنية الرمزية

ولكي لا تتسرب هذه الدلالات الرمزية من ذاكرتنا فلابد من متابعة وقائع الفيلم على وفق البنية الدرامية التي أرادها المخرج لكي يوصل رؤيته الاخراجية وما تنطوي عليه من رؤى فنية وثقافية وفكرية في آنٍ معًا. ثمة توطئة مهمة وضعها المخرج في مستهل فيلمه تقول: "بأنه صحافي ومحقق  تلفزيوني عربي جاء الى لندن تاركًا وراءه عددًا كبيرًا من القراء والمشاهدين في الشرق الأوسط مشدودين لمقالاته وبرامجه عن الحريات وحقوق الانسان. كان هذا الاعلامي على حافة الموت حينما أُجريت له عملية جراحية لازالة ورم في الدماغ. وكانت تلك فرصته الأولى لتقييم ما مضى من رحلة حياته". ولابد أن القارئ الكريم سيتساءل عن نوعية المقالات التي كان يكتبها، والبرامج التي كان يقدمها محمد سعيد قبل مجيئه الى لندن. وواقع الحال يشير الى أن محمد سعيد كان يكتب مقالاتٍ مهمةً في "الأهرام" و"الرأي" الأردنية، و "السفير" اللبنانية، و "الاتحاد" الاماراتية، اضافة الى موقعي "دنيا الوطن" و "ايلاف". أما البرامج التي كان يقدمها فهي "على المدى البعيد"و " الدفاتر القديمة" من قناة النيل الفضائية وبرنامج "مقص الرقيب" من قناة أبو ظبي. وكان "مقص الرقيب" هو البرنامج الأكثر اشكالية لأنه يتعاطى مع قضايا الرأي وموضوع الحريات وحقوق الانسان في العالمين العربي والاسلامي. وبسبب القمع الواضح الذي يعاني منه المواطن في البلدان العربية والإسلامية فإن برنامجًا من طراز "مقص الرقيب" لابد أن يحظى باهتمام  الكثير من المشاهدين الذين يجدون في هذا البرنامج أو البرامج المشابهة له، رئة يتنفسون من خلالها. فلا غرابة أن تتدخل بعض الجهات الحكومية العربية للحد منه أو اسكاته الى الأبد لأنه يحرّك الشارع العربي والاسلامي ضد القامعين والظالمين والمستبدين. إذاً، أن البرنامج المُستفِز هو "مقص الرقيب" الذي كان يعوِّل عليه الكائن السيري "محمد سعيد محفوظ" الذي كان في الوقت نفسه يخضع لعملية جراحية خطيرة لازالة ورم في الدماغ. ولتعزيز المنحى السيري فقد قدّم لنا المخرج صورًا متعددة من مراحل الطفولة والصبا والشباب ( وهو لا يزال شابًا للمناسبة) يعرض من خلالها تمرده وتصديه لقوى الاحتلال الاسرائيلي على وجه الخصوص. ثم نراه في أحد المَشاهد التي يصوِّر فيها "اعتداءات الشرطة الاسرائيلية على الصحافيين الفلسطينيين والمراسلين الأجانب". وقد صادف أن يكون ذلك اليوم هو السبت " والمفروض أن يكون يومًا محرمًا عند اليهود. ومع ذلك فانهم يقومون بالاعتداءات والانتهاكات على الصحفيين والمواطنين الفلسطينيين". ثم يمضي الى القول: "الآن أُعتقل مواطن فلسطيني لأنه يطالب بحقه. أنا كُسِر المايكرفون "التابع لي" وهناك عدد كبير من الصحافيين قد أصيبوا. هذه هي الصورة التي نقدمها للعالم". إن هذه المشاهِد تؤكد أن الكائن السيري ينتمي الى قطاع الصحافة الاستقصائية التي تعمل في قلب الحدث على الرغم من المخاطر الجمة التي تحدق بالاعلاميين ومحمد سعيد محفوظ هو واحد منهم. نشاهد في الفيلم الشرطة وهي تدفع محمد سعيد وتطلب منه أن يكون هادئاً. ويسألونه عن هويته فيرد بأنه صحفي مصري يغطي الحدث. نرى محمداً وهو يخضع للعملية الجراحية. الطبيب يزرقه بالمخدر في صدغه الأيسر، ثم نرى مختصًا آخرًا وهو يطهِّر مكان العملية الجراحية بالمعقمات الطبية. هنا تتضح معالم البناء الدرامي الذي أشرنا إليه سلفًا، ونخص بالذكر منه بنية التقابل، ففي الوقت الذي نرى فيه محمد سعيد وهو يتحدث  على مقربة من برج ايفل عن أسباب تراجع الديمقراطية في تونس خلال العشر سنوات الأخيرة، نشاهد أحد برجي التجارة وهو يتعرض لهجوم ارهابي مروِّع يذهب ضحيته آلاف من المواطنين الأبرياء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في لعبة الصراع الخفي الدائر بين الأميركيين من جهة، وبين الارهابيين من جهة أخرى.

ثمة مقتطفات من تقارير وريبورتاجات تحيل الى أطراف متعددة منها رجال الدين في العالم العربي أو الأسلامي، والمذابح التي أرتكِبت بحق الشعب الصومالي على "يد الجميع!"، دبابة أميركية أو اسرائيلية تدهس سيارة صغيرة وتسوّيها مع الأرض بمن فيها. " . . على اسرائيل أن تفرج عنهم فوراً!". لعبة التقابل تتعزز تماماً، فحينما يفتح الطبيب الجراح رأس محمد سعيد ليستأصل الورم، يتقوض أحد برجي التجارة، فيما نسمع نحن دقات قلب محمد سعيد الغارق في "البنج" أو الحلم ربما، أو المراجعة الذاتية.

يتأكد المشاهد أن المخرج يركز كثيرًا على أميركا التي تستهدف محور الشر. فحينما يتحدث بوش عن كوريا الشمالية التي تصنع الصواريخ العابرة للقارات والرؤوس النووية بينما يتضور شعبها جوعًا، وايران التي تتابع بعدوانية مشاريعها النووية والصاروخية، والعراق الذي كان يهدد "بحسب الرؤية الأميركية" الأمن والسلام العالميين إبان حقبة النظام الشمولي السابق. فهذا المحور هو الذي سيكون محط أنظار أميركا حتى وإن كان العراق هو الهدف الأول. وفي خضم هذه اللعبة الكبيرة فإن الصحفي سواء أكان عربيًا أو من العالم الاسلامي فإنه ليس أكثر من بيدق في لعبة الشطرنج! أو هذا ما يكشفه الفيلم في الأقل. فاللاعبان الكبيران اللذان يتأملان لعبة الشطرنج هما اللذان يقرران حركة البيادق. ولعل الجانب الجمالي والرمزي في هذه اللعبة أن البيادق هم الصحفيون العاملون في وسائل الاعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة الذين يزاولون عملهم بخشية واضحة تتطابق مع أرض الواقع في عالمينا العربي والاسلامي. وفي اللحظة التي يستأصل فيها الطبيب الجراح الورم من رأس محمد سعيد نسمع دويًا لقصف بنايات ضخمة مأهولة بالسكان في بغداد.

التحديق في المرآة

كما أشرنا سلفاً أن هذا الفيلم الوثائقي، الدرامي القصير هو فيلم سيري بامتياز، لكن محمد سعيد أراد لسيرته الذاتية أن تتداخل بما هو موضوعي ومؤرِّق  للذاكرة الجمعية، لذلك فقد تناول ثيمة "محور الشر" التي تتذرع بها الولايات المتحدة الأميركية مُبررة هجومها على العراق بوصفه أحد أركان المثلث الذي كان يتردد كثيراً على ألسنة قادة الإدارة الأميركية الذين يضخّون هذه المعلومات الخاطئة المُضلِلة ويتلقفها الاعلاميون في شتى أرجاء العالم ثم يروّجونها  من دون تمحيص. وقد اختار محمد سعيد أن يقف أمام المرآة مُنتقداً نفسه بضراوة كبيرة لأنه ساهم، بقدر أو بآخر، في ترويج هذه المعلومات "المفبركة" التي أفضت الى احتلال العراق من قبل القوات الأنكلو-أميركية! يا ترى، هل يشعر بقية الصحفيين في مختلف أرجاء العالم بما شعر محمد سعيد؟ وهل يراجعوا أنفسهم بذات الطريقة التي راجع بها محمد نفسه؟ ربما يفعل القلة النادرة من الاعلاميين الذين يشعرون بوخز الضمير في أثناء أداء واجبهم الخطير. أما الغالبية العظمى فهم الأشبة بالمشاركين في سباق الماراثون الذين يرومون الوصول الى الخبر من أجل بثه وترويجه في أسرع من لمح البصر. تذكيراً بالبناء الدرامي العميق لهذا الفيلم نرى محمد سعيد وهو يجلس أمام المرأة بينما يقوم الماكيير بوضع الماكياج على ملامح وجهه، ثم يغادر الغرفة بينما يظل محمد محدقًا في المرآة متمعنًا في ملامح وجهه أو ربما متأملاً في الأفكار  التي تستقر في شريط ذاكرته. الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش يواصل هجومه على محور الشر، بينما يواصل محمد سعيد حواراته  الاستقصائية مع بعض المسؤولين العرب فنراه وهو يحاور أمين هويدي، مدير المخابرات في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، سائلاً إياه سؤالا افتراضيًا مفاده:"ماذا لو جرت وقائع هذه الحرب خلال الحقبة الناصرية؟" فيجيب هويدي: "لا أظن أن الأمر سيختلف كثيراً عما هو عليه الآن!" إذًا، لماذا  انشغل العرب من المحيط الى الخليج بحقبة المد القومي؟ أكانت تلك الحقبة "هراءً أو أي كلامٍ عابر" كما هو حال عنوان هذا الفيلم؟ ومن المسؤول عن ترويج "البالونات القومية الفارغة" التي سلبت وقتنا وجهدنا وتفكيرنا؟ ألسنا مدعوين لمراجعة ذواتنا كل على انفراد كما فعل محمد سعيد محفوظ الذي تخلى عن كل شيء ثم هرب بجلده صوب قرص الشمس الدامي؟ حوار استقصائي آخر مع د. مظفر أمين، القائم بأعمال السفارة العراقية في لندن إبان حقبة النظام السابق الذي يحتج بضراوة على ترويج المعلومات الملفقة والأفكار الخاطئة حينما يرد على سؤال المحاوِر قائلاً:"نعم، كل هذه القصص مٌختلقة، ولذلك فقد أذيعت من لندن. أنا لا أقول هذا الكلام لأنني مسؤول عراقي، لكن أي قصة يجب أن تفحصها عشرات المرات حتى تصدِّق بها، لأن هذه القصص هي ملفقة أساسًا." وحينما يسقط د. مظفر في سَوْرة الانفعال والغضب لا يجد حرجًا في أن يقول بأن "المعلومة التي حصل عليها محمد سعيد" هي معلومة سخيفة وساذجة! ثم يرفض استئناف المقابلة! ما حدود التلفيق إذًا في الاعلام العالمي، ومن المسؤول عنه؟ يمسح محمد سعيد ماكياجه لأنه يرفض مواصلة هذه المهنة التي تفتقر الى التدقيق وتعج بمئات الأكاذيب والقصص المُلفقة التي قد يذهب ضحيتها العديد من الاعلاميين الذين يرددون ما تقوله ماكينة الاعلام الغربية المهيمنة على مختلف أرجاء العالم.

تقنية الصدمة

في مشهد شديد الأهمية نرى محمد سعيد وهو جالس في مقهى يقرأ صحيفة ما، ويحتسي فنجان قهوته، بينما تأتي اليه امرأة مصرية شابة تتجاذب معه  أطراف الحديث. ويبدو أنها معجبة به جداً، ومتعلقة ببرنامجه المثير للجدل "مقص الرقيب"، كما أنها قرّعت نفسها لأنها لم تجلب معها كاميرا لكي تلتقط معه  بعض الصور في سانحة الحظ هذه، أو أوتوغرافًا لكي تحظى بتوقيعه في الأقل. وفيما هو مستغرق في هذا الثناء والاعجاب اللامحدودين تأتي الوخزة الصادمة حينما تقول له "بأن برنامجك هو الوحيد الذي يسلّيني عندما أعدّ وجبة الغداء في المطبخ!". لا شك في أن محمد سعيد يتأمل هذه الجملة الواخزة طويلاً لأن برنامجًا من هذا النوع يتمحور على موضوع حساس مثل الحريات وحقوق الانسان لا يحرّك في هذه السيدة المغتربة في منفاها النيوزلندي سوى التسلية فلا شك أن يكون مقدِّم البرنامج "مهرّجًا" ومختصًا في "الامتاع والمؤانسة" على أقل تقدير!.

ثم نشاهد بعض المقتطفات من برنامج "مقص الرقيب" حيث يرتدي فيها محمد سعيد زي مهرِّج نقتبس منها "لم يكن احتلال العراق سوى بداية لشرق أوسط جديد يتم فيه تطويع حقوق الانسان لصالح الغرب الطامع في النفط العربي".  ثم ينهي حديثه قائلاً: (من هذه النقطة على خريطة حريات العالم قدمنا لكم هذه الحلقة من "مقص الرقيب"). لقد أوصلنا المخرج محمد سعيد الى هذه الذروة الدرامية المفجعة التي يصبح فيها الاعلامي الاستقصائي مجرد مهرّج لا غير! ألا تستدعي منه هذه النتيجة الكارثية أن يراجع نفسه، ويتفحص تجربته الاعلامية "على قِصر عمرها الزمني". وهذا ما يحدث بالفعل. إذ نراه متأملاً هذه المرة "سمكة ملونة ذاهلة، ذهول الكائن السيري ذاته، في دورق زجاجي مستدير" وحينما يصل الى قناعة نهائية يهرب صوب قرص الشمس علّ خيوطها الذهبية تحرره من أسر الأفكار الحبيسة في ذهنه التي تغذيها ماكينة الاعلام الغربي المهيمنة على جهات العالم الأربع.

كلمة أخيرة

لا شك في أن الفيلم الوثائقي له اشتراطاته وضوابطه المعروفة، غير أن هذه الاشتراطات تتخفف حينما يتلاقح الفيلم مع "أنواع" فنية أخرى كالوثائقي  الدرامي، أو الوثائقي السيري، أو الوثائقي ذات الطبيعة الريبورتاجية وما الى ذلك. غير أن تجليات هذا الفيلم القصير "مدته سبع عشرة دقيقة" إضافة الى كل النقاط المُشار اليها سلفًا، هو أن الكائن السيري " يمثِّل" أحياناً، خصوصاً في مشاهد التأمل والتفكير ومطالعة الصحيفة، حيث كسر المخرج المناخ العام الذي يوثق للفكرة المحورية الرئيسة للفيلم، آخذين بنظر الاعتبار أن بعض لقطات عملية الاستئصال كانت تنطوي على "قسوة بصرية" لا يتحملها الكثير من المشاهدين. وهذا الانزياح صوب تقنية الفيلم "الروائي الوثائقي" تحسب لمصلحة المخرج أيضًا. لقد نجح محمد سعيد في تقنيته الترميزية التي منحت الفيلم ميزة فنية وجمالية عززت القيمة الوثائقية لهذا الفيلم الناجح فنيًا والذي سيضيف بكل تأكيد أهمية نوعية الى رصيده الذي بلغ ستة أفلام مهمة في موضوعاتها ومعالجاتها الفنية الذكية وهي "الاعدام" الذي يتمحور حول مقتل الصحفية الايطالية ايلاريا ألبي في الصومال، "أورانو" الذي يتناول موضوع دفن أطنان من النفايات الكيمياوية في الصومال أيضًا، "أرض المنفى" الذي يرصد رحلة الى السودان، "لا" الذي يحتج بواسطته وبلغة رمزية على المناخ السياسي والاجتماعي في مصر، وفيلم "الربيع" الذي يتابع من خلاله حياة سكان القبور في مصر، إضافة الى عدد من التحقيقات التلفزيونية اللافتة للانتباه.

إيلاف في

19/08/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)