تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

حول الفيلم الأمريكي الذي أهان الرئيس السادات:

الأفلام التي تزدرينا نتيجة لواقعنا المزري!

أحمد يوسف

فلأدخل في الموضوع مباشرة بلا مقدمات: هناك فيلم أمريكي يحمل عنوان 'أحبك يا رجل'، عُرض في القاهرة لأسبوعين أو ثلاثة، ثم انتهى عرضه، لكن عندما وصلت النسخة الأصلية للفيلم إلى بعض هواة الأفلام الأمريكية (غالبا بالتحميل من على شبكة الإنترنيت)، فوجئ بعضهم بأن هناك دقيقتين محذوفتين من النسخة التي عرضت في مصر عرضا عاما، فيهما 'شتيمة' للرئيس المصري السابق أنور السادات، فقامت الدنيا (دنيانا الصغيرة المغلقة علينا ولا يدري بها أحد) ولم تقعد، فرفعت ابنة الرئيس الراحل عدة قضايا ضد العديد من الجهات، وينوي بعض أعضاء الحزب الوطني (جدا) تقديم استجواب في مجلس الشعب يطالب بمعاقبة المسؤولين عن عرض الفيلم في مصر، وأخيرا دخل بعض (نقاد كل حاجة وكل صنف) في ساحة المعركة ليحمّلوا 'الرقابة' مسؤولية هذه الخطيئة التي لا تغتفر.

سوف أبدأ من مسألة الرقابة، التي أرى أنها أصبحت 'ملطشة' نلقي على كاهلها كل تلك الفوضى الضاربة أطنابها في العديد من أمور حياتنا، وإن كانت المعارك معها تأتي في معظمها وللأسف الشديد في سياق تصفية حسابات شخصية دون النفاذ إلى جوهر الموضوع، فالرقابة عند هؤلاء مسؤولة عن قمع 'حرية التعبير' عندما تعترض على بعض التوابل السينمائية الحارقة في أفلام تزعم الجدية، حتى أنها تضطر أحيانا إلى إظهار ميلها إلى الحلول الوسط، فتجد نفسها من جانب آخر مسؤولة أمام آخرين عن 'الانفلات' الذي يشهده عدد لا يستهان به من الأعمال الفنية الرائجة الآن، يتستر بعضها خلف شعارات سياسية لامعة مثل الوحل الذي يلمع تحت أشعة الشمس، بينما تمضي أعمال فنية أخرى إلى الإعلان بوضوح عن هدفها، ولعلها بذلك تكون أكثر صدقا من الأعمال التي تدعي الجدية المزعومة، لكن هذه الأعمال وتلك لا تقدم في النهاية إلا تسلية رخيصة، رخصا ماديا ومعنويا. وهكذا تجد الرقابة نفسها بين المطرقة والسندان، أو بالأحرى تجد نفسها 'مراقبة' مما يمكن أن نسميه 'الرقابة الغوغائية الديماغوجية'، التي ترفع شعارات مطاطة مثل 'حرية التعبير' من جانب، أو الحفاظ على الأخلاق والتقاليد وربما الدين أيضا من جانب آخر.

الرقابة يا سادة ليست في التحليل الأخير إلا مؤسسة رسمية من مؤسسات الدولة، يحكمها قانون تمت صياغته بواسطة سلطات هي بدورها جزء من النظام، ودور الرقابة هو تنفيذ هذا 'القانون'، لكنني أريد أن أؤكد هنا أن القانون أي قانون ليس 'العدل' أو 'العدالة'، وإنما هو صياغة لعلاقات القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة، لذلك فإن القانون مرة أخرى، أي قانون هو بالضرورة 'منحاز' إلى من قاموا بصياغته، وإن كانت لديكم معركة مع الرقابة فلتكن إذن مع القانون الذي تقوم على تطبيقه، وإذا كنتم تتحدثون عن 'حرية التعبير' فإن عليكم أولا أن تحاربوا على سبيل المثال لا الحصر تلك اللوائح التي تقضي بالحصول على تصاريح مسبقة بالتصوير في الشوارع (يحدث هذا في عصر أصبح فيه بطن المجتمع المصري مفتوحا أمام من هب ودب، إلا الفنان السينمائي المصري)، وذلك الشرط 'القانوني' هو فيما أعتقد أحد الأسباب القوية لضمور شكل مهم من الأفلام في صناعتنا السينمائية، وهو السينما التسجيلية، التي تكاد أن تختفي، وإذا ظهرت ففي حالة شديدة التخلف، بينما تشهد ازدهارا غير مسبوق في كل أنحاء العالم.

فلنعد إلى علاقة الرقابة بعرض فيلم 'أحبك يا رجل'، وسوف أطرح هنا أسئلة أكثر مما أقدم من إجابات: وصلت الرقابة نسخة من الفيلم لا تحتوي على الدقيقتين اللتين تحتويان إساءة للرئيس السادات، فسمحت بعرض الفيلم، فما هي مسؤوليتها إذن؟ هل من المطلوب أن تكون على علم مسبق بكل النسخ التي تعرض في العالم كله؟ وقد يستغرب القارئ أن نقول أن هناك للفيلم الواحد نسخا عديدة لكن تلك هي الحقيقة، وليس غريبا مثلا أن تحتوي نسخة الـ'دي في دي' لأي فيلم على مشاهد أكثر أو أقل من النسخة التي عرضت في دور العرض (يكاد هذا أن يحدث دائما)، وفي جولة سريعة قمت بها خلال دقائق بشكل عشوائي على موقع 'قاعدة البيانات العالمية للأفلام' (آي إم دي بي) وجدتُ مرة أخرى على سبيل المثال لا الحصر أن نسخة فيلم 'ميونيخ' كانت في كل بلاد العالم 164 دقيقة بينما كانت في الفليبين 163 دقيقة (!!)، ولفيلم 'شفرة دافينشي' نسختان يبلغ الفرق بينهما عددا لا يصدق من الدقائق، إذ تتراوحان بين 149 و 174 دقيقة، أما فيلم 'طروادة' فقد عرض في أمريكا في 163 دقيقة، وفي ألمانيا في 189 دقيقة، وفي تركيا في 146 دقيقة!

من السهل إذن أن تقدم شركة التوزيع الأمريكية إلى الرقابة في مصر نسخة لا تحتوي على الدقيقتين المذكورتين، فلم تجد الرقابة ما يمنع عرضه، خاصة أن الإهانة التي وُجهت إلى شخص الرئيس السادات لا علاقة لها على الإطلاق بموضوع الفيلم، إنها مجرد 'إفيه' سقيم ومتدنٍ يشبه في جانب منه (وسوف نناقش الجانب الآخر لاحقا) العديد من 'الإفيهات' الغليظة في السينما المصرية المعاصرة، لقد ظهرت على سبيل المثال الممثلة المخضرمة نادية رفيق، دون أن تتفوه بكلمة واحدة، في فيلم 'بوبوس'، لكي يسخر من 'وجهها' المتغضن بطل عادل إمام إياه، برغم أنه لا يقل عنها عمرا أو تجاعيد، وفي فيلم 'همام في أمستردام' قيل أن وجوه الفتيات المصريات تشبه 'الصنادل'، وفي كل أفلام من أطلق عليهم السادة النقاد المحترمون في نوع من الاحتفاء لقب 'المضحكين الجدد'، في كل هذه الأفلام سخرية شديدة السخف من أصحاب البشرة السوداء، فلماذا ترانا نستثار عندما يستخدم فيلم أمريكي نفس النوع من الكوميديا شديدة الغلظة من الرئيس السادات؟

لا شك أن الإجابة هنا سوف تكون أن الرئيس السادات 'رمز' وطني لا تجب السخرية منه، وأنا أسأل بدوري: 'وطني' بالنسبة لمن؟ بالنسبة للأمريكيين الذين صنعوا الفيلم؟ هل ترانا نسينا أننا أشبعنا جورج بوش وكوندوليزا رايس سخرية في بعض أفلامنا والعديد من وسائل إعلامنا، خاصة رايس التي نالت كالعادة نصيبا أكبر من السخرية العنصرية بسبب لون بشرتها وليس سياساتها؟ فلأعد إلى مسألة 'الرمز'، وأشير مرة أخرى إلى فيلم 'بوبوس' عندما تأمل بطل عادل إمام راقصة يترجرج صدرها فتفتق ذهنه عن 'الإفيه البايخ': 'لو نحط راسنا على صدر مصر'. لقد أصبحت الراقصة هنا رمزا لمصر، فلم تهتز شعرة في رأس أحد من امتهان الوطن ذاته!

إنني لا أقلل أبدا من قدر سخافة الإفيه ضد الرئيس السادات في الفيلم الأمريكي، لكنه وهو يعبر عن سخرية عنصرية من ملامح الوجه (وهي السخرية التي تعبر بدورها عن حس مريض سقيم) لا يتعرض للرمز، وإذا كنا نتحدث عن المهانة التي يشعر بها كل مصري إذا شاهد هذا الإفيه الساقع، فلماذا فاتت علينا المهانة الأفدح في فيلم 'حرب تشارلي ويلسون'، الذي يتحدث عن وقائع تاريخية (كما يقول صناع الفيلم) لمحاولة عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، الذي يحمل الفيلم اسمه، حشد الجهود خلال بداية الثمانينات لمحاربة السوفييت في أفغانستان، بجمع الأسلحة السوفييتية من إسرائيل ومصر، ليدور مشهد طويل بين الرجل والمسؤولين العسكريين الإسرائيليين لكي يقنعهم بعد مفاوضات مرهقة، بينما لم يأخذ الأمر من السيناتور إلا دقائق قليلة مع وزير الدفاع المصري (وجميعنا يعلم من هو خلال تلك الفترة)، إذ حمل السيناتور معه من أمريكا راقصة هز بطن أمريكية كانت ترقص خلال 'مفاوضاته' مع وزير الدفاع المصري الذي لم يسمع حرفا واحدا، إذ كان مشغولا بالتحديق في الراقصة، ليترك الاجتماع فجأة ويأخذها إلى غرفة جانبية، بعد أن أعلن عن موافقته على الطلبات الأمريكية دون مناقشة!!

بالله عليكم ماهو الأفدح؟ نكتة قذرة قالتها شخصية مختلقة في فيلم روائي هو في النهاية من وحي الخيال، ويستطيع صناعه القول بأن تلك النكتة جاءت من 'شخصية' فنية صاحبة ذوق سقيم لكنها لا تعبر عن رأى صناع الفيلم أنفسهم؟ أم مشهد حذفته الرقابة في مصر يروي وقائع يقولون أنها حقيقية، وتسيء أبلغ إساءة للنظام المصري الذي لا يزال قائما حتى هذه اللحظة، ويرى صناع الفيلم أن من الممكن شراءه بأبخس وأحقر الأثمان، براقصة هز بطن؟ ولماذا لم يتحرك أعضاء الحزب الوطني (جدا) ليس ضد الفيلم فقط، وإنما للتحقق من صدق هذه الواقعة أو كذبها؟ وهنا يأتي دور الجانب الآخر من القضية: إذا كانت تلك الإهانات يتم توجيهها بشكل منهجي ومنظم إلى الشعب المصري والعربي (يحصي الكاتب الأمريكي من أصل عربي جاك شاهين أكثر من 900 فيلم هوليوودي توجه الإهانات الحقيرة للعرب)، وإلى قادتهم وزعمائهم ونظم حكمهم، فماذا نحن فاعلون؟ هل 'نتفاوض' مع هوليوود، ما دمنا في العصر التاريخي للمفاوضات العقيمة، لكي 'تبطّل' هذه الإهانات؟ وبالمناسبة فإن الأفلام الإسرائيلية لا تتوقف عن إهانة المصريين والعرب بشكل مباشر أحيانا ومراوغ وغير مباشر في أحيان أخرى، مع أننا لم نتوقف عن التفاوض معهم!! أم أن السبب هو أننا جعلنا من أنفسنا مطية لهم يسخرون منا وقتما يشاؤون؟

والغريب والأحرى أن أقول أنه من الطبيعي أن الإهانات الموجهة للعرب ولنظمهم لا تعبر عن الخوف من هذه الشعوب والأنظمة، مثلما كان يحدث على سبيل المثال مع الروس خلال الحرب الباردة، بل إنها إهانات تعبر عن ازدراء لمن لا يملك حتى لنفسه ضرا ولا نفعا، وعن احتقار لمن لا خوف منه، وبصراحة كاملة فإنني لا أعرف كيف أجعلهم يحترمونني إذا كنت في وطني مستذلا مهانا، وفي العالم مجرد صفر على الشمال في حسابات السياسة والاقتصاد، ودعك الآن من الجانب العسكري، فنحن 'بتوع السلام'؟ وإذا كان عندي من نصيحة لأعضاء الحزب الوطني (جدا) في استجوابهم المرتقب، فإنني أذكّــرهم فقـط بأن الفيلم إياه لم 'يشكك في وطنية أحد أهم الزعماء المصريين في التاريخ' حسبما جاء في الخبر المنشور عن الاستجواب، بل انصبت النكتة شديدة الرذالة على ملامح وجه الرئيس السادات، في ذات الوقت الذي أكدت أنه لا اعتراض على سياساته!!

تبقى كلمة للبعض من الزملاء النقاد: ليس من مصلحة الوطن بأي حال من الأحوال استغلال أي فرصة للضرب 'تحت الحزام' لأمور شخصية تماما، وإذا كانت لدينا وهذا حقيقي ومشروع ومطلوب حرب 'موضــــوعية' مع الرقابة، فلنضع النقاط فـــــوق الحروف، هل من المطلوب من الرقابة (ونكتفي بذلك) مجرد أن 'تعاقب' الفيلم الأمريكي أو شركة التوزيع الأمريكــــية بعدم العـــرض في مصر فتكون الخسارة بضع آلاف من الجنيهات هي في غنى عنها مقابل عشرات الملايين التي يتم حصدها من جميع أنحاء العالم؟ هل المطلوب من الرقابة أن تعصب عيون الشعب المصري حتى لا يرى ولا يسمع الطريقة التي يتم بها تصويره وتصوير وزعمائه ونظم حكمه، بينما يرى العالم كله تلك الصور؟

هل المطلوب من الرقابة أن تخوض الحرب من أجل تغيير قوانينها هي ذاتها، أم أن تلك حربنا التي يجب أن نخوضها من أجل ما نسميه 'حرية التعبير'، هذا إذا كنا نتفق حقا حول المقصود من هذا التعبير المطاط الغائم؟ وهل يمكن أخيرا أن نغفل عن أن تلك الأفلام التي تزدرينا ليست إلا نتيجة واقعنا المتردي الذي يجب علينا أولا أن نغيره بكل ما نملك من جهد ووعي؟ أم كما نفعل في كل مرة: نترك الجوهر ونمسك بالقشور، أو كما يقول المثل المصري: 'نيجي في الهايفة ونتصدر'؟!

ناقد سينمائي من مصر

ahmedfilm@gmail.com

القدس العربي في

15/08/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)