تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

«ضربة رأس» واعدة

قيس قاسم

ليلة وداع العزوبية

أحيا «ضربة الرأس» الأمل بعودة الأفلام الكوميدية الراقية الى الشاشة بعد غياب طويل. فخلال العقد الأخير سادت موجة أفلام كوميدية غلب عليها الطابع التجاري، وأفرطت في استخدام الإيحاءات الجنسية لتمرير تدني مستواها على المشاهد، فولدت لديه انطباعا بأن طبيعة الفيلم الكوميدي لا تتعدى هذا المستوى وملكة ممثليه لا تتجاوز، مطلقا، قدرتهم على الإضحاك المعتمد الأساس على الحركات البهلوانية الجسدية والمؤثرات التصويرية المبالغ في استخدامها. أما فيلم «ضربة الرأس» فهو بعيد عن هذا كله. انه ينتمي الى كلاسيكيات الكوميديا ويسعى الى اعادة روحها الحية بأسلوب حديث.

عنوان الفيلم هو ترجمة تقريبية لتعبير شائع في الغرب يستخدم عندما يفرط المرء في تناول المشروبات الروحية فيشعر، حين يفيق من نومه، وكأن رأسه قد تعرض لضربة شديدة أنسته كل تفاصيل ما حدث الليلة الماضية. هذا التعبير دخل أيضا في تقاليد زواجهم، حيث شاع عندهم أن يودع الشاب عزوبيته بليلة صاخبة مع أصدقائه تنتهي بـ«ضربة رأس» أخيرة لن تتكرر بعد ليلة زفافه. وقصة الفيلم تدور حول هذا الموضوع، فأصدقاء العريس داوغ (الممثل يوستين بارثا) قرروا الذهاب الى لاس فيغاس للاحتفال هناك بليلة توديع عزوبية.

وإذا كانت الأفلام الكوميدية التقليدية تبدأ مغامراتها بمجرد وصول أبطالها الى مدينة اللهو والعبث، فإن المخرج تود فيليبس، صاحب كوميديا «المدرسة القديمة» و«فخ الطريق» اتخذ مسارا زمنيا معاكسا لحركة عقارب الساعة، وتركنا نتابع مغامرتهم من خلال استدراكاتهم، أو بالأحرى بحثهم عن تفسير منطقي لأشياء غريبة موجودة في غرفتهم. فهم لم يعرفوا من أين جاء الطفل الرضيع إليهم، وكيف دخل النمر الحي الى حمام غرفتهم، ولا الطريقة التي فقد بها ستو (الممثل ايد هيلم) أحد أسنانه الأمامية. كل ما عرفوه أنهم كانوا في حالة انقطاع كلي عن مجريات الليلة الرهيبة، وعليهم الآن البحث عن صديقهم المفقود والمحتفى به، وإعادته سالما الى عروسه التي تنتظره في الكنيسة، وأيضا، إعادة ترتيب الأحداث لمعرفة ما جرى لهم بالتفصيل. 

ترتيب الأحداث

الحبكة والمفارقات الكوميدية ستبدأ من خلال ترتيب مسار أحداث الليلة الليلاء، وخلالها ستتوالى المشاهد المضحكة دون انقطاع، وستزيد اكتشافات جزئيات الأحداث من الإحساس بفظاعة ما جرى. فالنمر يعود الى الملاكم مايك تايسون الذي وجدوه مع حراسه داخل غرفتهم يغني ويرقص، وحين وجه اليه ألان (تذكروا اسمه جيدا، زاتش غالفياناكيس، ممثل كوميدي واعد) سؤالا ساذجا كعادته في الكلام، غضب منه فوجه له لكمة قاضية أطاحته أرضا. لقد دخلوا فيلة تايسون وهم تحت تأثير الكحول والحبوب المهلوسة. هذا المشهد الفظيع سيعرضه تايسون عليهم من خلال شريط كاميرا مراقبة الفيلا، وتصورا ردود فعلهم وهم جالسون الى جانبه يراقبون ما فعلوه بنمره! أما الطفل، الذي يظل آلان يحمله معلقا على صدره طيلة الشريط وكأنه أبنه الحقيقي، فسيتبين لنا أن والدته راقصة تعمل في أحد النوادي الليلة تزوجها صديقهم ستو ذات الليلة من دون أن يدري، فصار والدا للطفل. وصديقهم العريس سيجدونه نائما فوق سطح ناطحة سحاب وقد أحرقت الشمس جلده. ومن أكثر مشاهد الفيلم إثارة للضحك ظهور العصابات الآسيوية كطرف مطالب بأمواله التي يدعون أنهم سرقوها منهم. وستنتهي المغامرة بمطاردة يخسرون فيها كل ما يملكون، عدا حياتهم التي سيستعيدون مسارها الطبيعي بعودتهم سالمين الى الحفل قبل فشل مراسيمه بلحظات. لقد تركوا لاس فيغاس وراءهم للعابثين والباحثين عن اللهو والمغامرة لمرة واحدة على الأقل كما فعلوا هم يوما! في هذا الشريط غاب الحكم الجاهز عن مدينة لاس فيغاس المقرون بالسوء وبتحكم العصابات بمراكز مراهنات القمار. والعبث والمغامرات النسوية ظلت في الظل، فالتركيز هذه المرة كان على مجموعة من الرجال، وهذا يندر وجوده اليوم في السينما. فالعلاقات العاطفية والجنسية هي الغالبة في معظم الأفلام التي جرت أحداثها في هذه المدينة الشيطانية، كما تصور كثيرا. 

أرواح خفيفة

الملفت في هذه الكوميديا خفة أرواح الناس فيها مع كل المفارقات الصارخة. فالكل كان يتعامل بسوية وبتسامح بما فيهم تايسون الذي أظهر قدرة تمثيلية واضحة، وصديقهم المعلم الوسيم بيل (الممثل برادلي كوبر) ظل محتفظا بتماسكه وروحه التربوية في أصعب الظروف خصوصاً حين تعرضوا لسخرية رجال الشرطة الذين انتقموا لسرقة سيارتهم والعبث بها وقدموهم كنماذج سيئة التصرف أمام طلاب المدارس. مشهد تعليم التلاميذ استخدام الأسلحة الدفاعية البسيطة عليهم عمليا، وكأنهم جرذان مختبرية، يجمع بين السخرية من رجال الشرطة ومن الطرق التربوية المشجعة على العنف في الحياة اليومية. فالنقد ماضٍ وحاد في الشريط ويسجل بخفة روح ملاحظات على كثير من سلبيات مظاهر الحياة الأميركية. ولهذا يمكننا القول إن «ضربة الرأس» هو أفضل أعمال المخرج تود فيليبس، وربما هو الأفضل بين أفلام العام، والإقبال الجماهيري عليه تجاوز كل التوقعات. إنها كوميديا جادة ومحكمة الصنعة السينمائية ممثلوها من الطراز الرفيع ذكرونا بأدائهم الرائع في مدرسة الكوميديا العريقة في الفن السابع. فالكوميديا رافقت السينما منذ بدايتها وينبغي أن تستمر معها وبهذا المستوى الراقي!

«كورالين»: قناعة بعد مجازفة خطرة

«كورالين» فيلم حركة للصغار، مدهش بفكرته الرئيسية وتنفيذه المعتمد على المزج بين الدمى المتحركة وتقنية الحاسوب. اختيار الدمى مادة خاماً لخلق شخصيات الحكاية أضفى عليه طابعا كلاسيكيا، وذكر بالمراحل الأولى لصناعة الفيلم المتحرك، الأمر الذي نقل معه حميمة داخلية يشعر بها المتفرج مباشرة. القصة فيها عمق وتمس جوهر حياتنا العائلية المعاصرة، حيث انشغالات الوالدين في تأمين مصادر العيش كثيرا ما تأتي على حساب الوقت المخصص للطفل. فعزلة الأولاد وضعف تواجدهم مع أولياء أمورهم، كثيرا ما يدفعانهم الى البحث عن أمكنة أخرى تسد النقص والحاجة عندهم. كورالين، وأثناء انتقالها مع عائلتها الى بيتهم الجديد، وجدت نفسها وحيدة وفي حاجة الى من تقضي معه وقتا ممتعا. جاراتها اللطيفات كبيرات السن وصديقها الجديد حذر ويخفي شيئا ما في نفسه. في احدى المرات وفيما والداها منشغلان بعملها عثرت على فتحة واسعة في جدار احدى غرف البيت المهجورة. فضولها دفعها الى الدخول فيها، وكم كانت دهشتها عظيمة حين وجدت عائلة تشبه عائلتها تماما ولكن بفارق كبير بينهما. هي توفر لها كل ما تريد من وقت وطعام طيب وكل ما تريد، فصارت تذهب اليهم كل يوم. وذات مرة اكتشفت ان عائلتها الثانية من خشب، وحين سألت عن ذلك جاءها جواب لم تنتظره. فالوالدان الخشبيان هما في واقع الأمر ساحرتان شريرتان يقومان بخطف الأطفال وتحويلهم الى كائنات خشبية لا روح فيها. وقد احتاجت كورالين وصديقها الجديد الى الكثير من الجهد للتخلص من هذا الخطر. وبعد هذه المغامرة اكتشفت ان الطمع في الحصول السهل على كل ما يريده المرء ليس أمرا طيبا، وغالبا ما يكون ثمنه غاليا. فالقناعة بما نملك وبالعائلة كما هي، وبكل انشغالاتها وضيق وقتها، أفضل ألف مرة من عائلة مريحة تؤدي الى التهلكة. فكرة إنسانية معمولة بأسلوب تربوي وفني جيد، أهلت الشريط ليناسب كل أفراد العائلة، فهو يرسخ عند الأطفال قيما كثيرا ما ينسونها في خضم انشغالات آبائهم في رحلة تأمين لقمة العيش، وفي المقابل هي دعوة لأولياء الأمور للانتباه أكثر الى أطفالهم ومنحهم وقتا كافيا مع كل انشغالاتهم المشروعة.

الأسبوعية العراقية في

09/08/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)