تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

الزمن المتبقي (سيرة الحاضر الغائب) لإيليا سليمان:

خفَّة في الدراما الأبدية للشعب الفلسطيني

فانسان ثابوري      ترجمة : مصطفى بدوي

قبل يومين من اسدال الستار على فعاليات مهرجان كان السينمائي عرض المخرج الفلسطيني ايليا سليمان فيلمه ( الزمن الباقي سيرة الحاضر الغائب) الذي شارك به في مسابقة المهرجان الرسمية. ولربما يمثل فيلم (الزمن الباقي) أنضج أفلام ايليا سليمان من حيث الاشتغال على البياض/الصمت وتأثيت الفيلم بشريط صوتي تم تركيبه فوق هذا الصمت الذي تقابله (باروديا) تنتصر على تراجيديا العذاب الفلسطيني في الداخل والشتات. وقد يكون المزج بين عناصر الباروديا والموسيقى التصويرية (محمد عبد الوهاب اسمهان ليلى مراد نجاة صباح فخري..) والتقطيع والتناوب بين الابعاد في هذه التجربة الفيلمية المتميزة من أجمل ما شهدته السينما العربية من فتوحات تجريبية.والمقال الذي نترجمه اليوم يعكس الاحتفاء النقدي الكبير الذي قوبل به ايليا سليمان هناك في الضفة الاخرى لشرق المتوسط ..

ـ المترجم

 

في شكل استهلال يتوجه ايليا سليمان(1) الراكب الوحيد في سيارة أجرة تائهة وسط المطر الغامر الى سائقها ليسأله:( اين أنا؟). مقدمة صريحة تحدد دفعة واحدة فيلم (الزمن المتبقي)(2) باعتباره رغبة في الأرض يتحول فيها الشعر الى السياسة.المكان موضع السؤال هو مسقط طفولة ايليا سليمان : أرض عرب 1948 أرض الفلسطينيين الذين بقوا في الناصرة التي صارت جزءا من (الدولة العبرية).اذن نحن مدعوون لسفر زمني يبدأ من 1948 وهو مستوحى من دفاتر شخصية لأبي المخرج ومن رسائل أمه الى أفراد العائلة في الشتات .هذه العدة المستمدة من الحياة لا تؤشر على الواقعية بل تمنح الفيلم هالة من نوستالجيا داكنة مرصعة بوقائع صغيرة للمقاومة التي يمثل الاب وجهها البطولي.ان هذا الجزء الاستيهامي المكرس برؤية طفولية والملطخ بكآبة لا يمكن اخماد جمراتها ربما هو الأكثر ديداكتيكية والأقل دقة رغم أن الحمولة الكوميدية غريبة كما هو الشأن دائما لدى ايليا سليمان.ان مسابقة الاغاني العبرانية أو عرض فيلم :(الوصايا العشر) لسوسيل دوميل(3) في المدرسة يؤشر على قدر كبير من السخرية.
ومع ذلك يجب انتظار دخول المخرج نفسه في المشهد حتى يجد الفيلم اكتماله ليطبع جسده على الصورة سخرية لا تقاوم.لو غضضنا الطرف عن الحضور الجسدي الوحيد الذي يعرض نفسه في مقابل الجدار الفاصل بين (اسرائيل) والأراضي الفلسطينية فانه يلعب بسكونية شبه ثابتة ونظرته المذهولة تجعل وجهه مطابقا للعنوان الفرعي للفيلم : (سيرة الحاضر الغائب ).مهرج حزين ونسخة فلسطينية لأسلوب (بوستر كيتون) (4)أو (جاك تاتي) (5)بحيث يوبخ اليومي وينتزع منه عبثيته ويحول وجهته بحزن ساخر.
يربط ايليا سليمان كما في صورة أعماله السابقة (السانيات) * بالاثارات الهزلية المعتمدة على المفاجأة (الجاجز) كما في توالي الرسومات الصحافية الملهمة جدا: آلة لاعادة الصوت انطلاقا من أسطوانات مسجلة (غراموفون) تبث موسيقى على الغطاء المعدني الأول لسيارة (الجيب )وجار ببيجامته يحاول بانتظام التضحية بنفسه ومدفع يتابع بدقة تحركات رجل أعزل ..هذا التسلسل في التصوير يخلق معنى والتقطيع لا يفسد الحكي بل يمنح الخفة للدراما الأبدية لشعب يعاني ويجعل (التقطيع/المترجم )لحظات الضحك والكآبة تتناوبان بشكل لا يستطيع الجمهور توقعه .يتم التعامل مع الابعاد الطويلة الثابتة واللامبالاة المزعومة انطلاقا من عمق الارضية حتى تغذي الخلفية الصورة بنفس الفعالية التي تميز البعد الأول .تنبني آلية (الزمن المتبقي) ايضا على تكرار الاثارات الهزلية المعتمدة على المفاجأة (ينتهي الأمر بطبق العدس المطبوخ الى القمامة) وقلة الحركات : فوحده التمايل الخفيف لرجل (بكسر الراء /المترجم) أمه العجوز يلمح الى كونها متأثرة فيما هي تنصت الى أغنية قديمة .
لا يتباهى هذا المشروع الجميل بالتذكر المبهم لكن حرمانا حميميا ورمزيا وصمتا متكلما شبيها بزمن الأخرس هو ما يؤسسه من أجل مشروع تدميري في غاية الكمال السينمائي التكويني.

هوامش:

1.       ولد إيليا سليمان في الناصرة عام 1960. في سن 17 عاما اعتقلته قوات الأمن الإسرائيلية بينما كان في تل أبيب وطلب منه الاعتراف بعضويته في منظمة التحرير الفلسطينية، رفض إيليا ذلك وبعد هذه الحادثة بمدة قصيرة هاجر إلى لندن ومن ثم إلى فرنسا حيث أقام عاما عاد بعده إلى/ إسرائيل/. بعد أن أقام في الناصرة لعدة سنوات أبدى فيها اهتماما في السينما هاجر ثانية إلى نيو يورك عام 1982 حيث أقام لمدة 12 عاما.

عام 1990 أخرج فيلمه الأول 'مقدمة لنهاية جدال' الذي حصل على جائزة أفضل فيلم تجريبي في مهرجان أطلنطا السينمائي بنفس العام.

عام 1991 أخرج فيلم 'تكريم بالقتل' الذي ينتقد فيه حرب الخليج الثانية وحصل الفيلم على العديد من الجوائز.

عام 1994 انتقل للعيش في القدس حيث درس في جامعة بيرزيت. وقد تم تعيينه لتأسيس قسم الأفلام والميديا في الجامعة بتمويل من المفوضية الأوروبية. كما أنه كان محاضرا زائرا في جامعات مختلفة في العالم.

عام 1996 قام بإخراج أول أفلامه الروائية الطويلة 'سجل اختفاء' الذي حصل على الجائزة الأولى بمهرجان فينيسيا للأفلام.

عام 2002 أخرج فيلم 'يد إلهية' الذي حاز على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان وأفضل فيلم أجنبي في جوائز الأفلام الأوروبية في روما.

2.       فيلم:( الزمن المتبقي) : فيلم من انتاج فرنسي فلسطيني 2009.مدته: 105دقائق.اخراج وسينوغرافيا : ايليا سليمان تصوير : مارك أندري باتيني.

تشخيص: ايليا سليمان ـ صلاح بكري- شفيقة بجالي- طارق قبطي-زهير أبو حنا-جورج خليفة- لينا جرجورة-بلال زيداني...

3.       فيلم : (الوصايا العشر) من اشهر أفلام سوسيل دويل 1956 -219دقيقة-ويمثل عصارة 43 سنة من حياة دوميل السينمائية كما صرح هو نفسه بذلك.

تشخيص: شارلون هيستون- بول براينر- آن باستر-ايفون دي كارلو- جون ديريك- ادوارد روبنسون.

4.       بوستر كيتون: اسمه الحقيقي جوزيف فرانسيس كيتون 1896-1966.مخرج وممثل أمريكي .وهو العبقري الكوميدي في فيلم(الرجل الذي لم يضحك أبدا).من أعماله : (قوانين الضيافة1923- رجل الكاميرا 1928..)منحه شارلي شابلن دورا صغيرا مؤثرا في أحد أفلامه سنة 1952.ولم تكتشف عبقريته الا بعد وفاته.

5.       جاك تاتي :1907-1982 مخرج وممثل كوميدي فرنسي .يمثل في ابداعاته وتشخيصه نضجا كبيرا .أخرج أفلاما عديدة منها : (يوم الاحتفال1949- عطلة السيد هيلو1953- استعراض 1974..).

مجلة بوزيتيف-عدد تموز (يوليو) 2009-مزدوج--ص132

القدس العربي في

06/08/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)