كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

خاص بـ«سينماتك»

 

المتفرج الوحيد في لعبة من تأليفه

لابد أنها الجنة، أو ليست هي الجنة؟

صفاء الليثي/ خاص بـ«سينماتك»

 
 
     
 
 
 
 

يجلس ES في منتصف الكادر تماما كمن يجلس في قاعة عرض وحيدا وقد اختار المكان الأمثل ليحكي مسرحيته، لعبته لو اعتمدنا الترجمة الحرفية التي تناسب المعنى. مسرحية من ثلاثة فصول الأول في فلسطين والثاني في باريس والثالث في أمريكا وخاتمة عندما يعود إلى إقليمه الساكن عقله وقلبه مع أغنية جماهيرية يرقص عليها الشباب وهو المتفرج مع كأسه، وعلى وجهه شبح ابتسامة.

لا يتكلم  طوال الفيلم إلا بجملة واحدة ردا على سائق أسود يأخذه من باريس إلى المطار ليصل أمريكا، من أي بلد فينطق ايليا، "من الناصرة، الناصرة في أي بلد؟ "في فلسطين أنا فلسطيني"، فرملة قوية وينظر السائق باندهاش أبله، فلسطيني لأول مرة أقابل شخص فلسطيني، يواصل الضحك وكأن الراكب تحدث عن هندي أحمر أو كائن من المريخ.

لم أحضر العرض الأول للفيلم بمهرجان كان، وفاتني مشاهدته بمهرجان القاهرة، وحين وصلتني أفلام جائزة النقاد العرب وجدته واحدا منها، أغلب الأفلام الأخرى شاهدتها، أخيرا سأشاهد فيلم مخرجي الذي أحترمه كثيرا وأضحك على الكوميديا الساخرة التي يقدمها في أفلامه، أحترم المخرج المتمسك بأن يكتب في كتالوج مهرجان كان أمام  بلده "إقليم فلسطين" وخضوع إدارة كان له وقد كان.

وصلة النت كانت بطيئة، هي بطيئة منذ وباء الكورونا فشاهدت الفيلم على مدى خمس ساعات ونصف، لم أتملل ووجدتها فرصة لتأمل الكادرات، ثباتها وتكوينها حيث يقع في المنتصف تماما، في لقطة متوسطة أو لقطة عامة ليست بعيدة جدا، ايليا سليمان في منتصف الكادر يحكي من وسط الحكاية، جحيم موطنه حيث يسميه السارق وأبيه الصياد بالجار، جحيم من بالمقهى وابتزازهم الرخيص لصاحبها. حزن الفقد (قد تكون أمه أو أبيه) ومشهد فيه يجمع ما تبقى والكرسي المدولب يحكي الحكاية بلا ثرثرة. كان هنا مريض مسن، ومات.

عدت للمشاهدة بنسخة في زمنها الحقيقي 137 ق، نفس إحساس الإيقاع لم يختلف، ونفس الدلالات. حين يأتي الفصل الثاني ويكون اليا سليمان بمفرده أيضا على مقهى باريسي يرينا وجهة نظره في تأمل النساء الباريسيات بملابس قصيرة، جميلات نحيفات كعارضات أزياء مع التصوير بحركة بطيئة، ليست بطيئة تماما بل بتؤدة، تتمخطرن، عندها صاح عقلي (لا ابد أنها الجنة) لماذا إذن هذه الترجمة العجيبة "إن شئت كما في السماء" سأعرف من الصديق الناقد محمد هاشم عبد السلام أن هذه ترجمة أصر عليها المخرج  بنفسه، إذن لنرى. في الفصل الأول نقد ذاتي للشخصية العربية الفلسطينية، لأهل إقليمه، لص شاب، ووالده صياد عجوز خرف يجيد الحكايات الوهمية عن تحديه للأفعى وبطولاته الزائفة، يتبادل الشتائم مع ابنه السارق، سراق باللهجة الفلسطينية، صعلوك بذيء، بوليس لاهي، فقط متباهين بزيهم ونظارات الشمس رغم الحمام، رمز السلام في الساحة، يتبول الصعلوك، ويلقي زجاجة مياه غازية يكسرها بعنف وايليا يراقب المشهد. تتكرر أيامه على وتيرة واحدة، تبجح من اللص، صمت منه، يتزايد تطفله ويتمادى.

مقهى به شابين عربيين يمارسان البلطجة على صاحب المقهى، يبتزانه لأنه جعل أختهما تأكل طعاما به نبيذ. جحيم حقيقي (لا يمكن أن تكون هذه هي الجنة) رغم مشهد حقل التين الشوكي، والمرأة بثوبها الفلسطيني المطرز وخلخالها، كنداهة تغويه وهو يلاحقها، تضع جرتها، تتركها ثم تعود وتحملها وتسير، مشهد ساحر بعيدا عن النقد الاجتماعي للمشاهد السابقة وبعيد عن الكوميديا. يقود سيارته في الطريق ونسمع معه "بأحلم معك لنجاة الصغيرة" انتقاء يقدمه لأجمل الأغنيات العربية بلا تحديد عن بلد ما، غناء عراقي مصري شامي وغناء حزين لصوت إفريقية لا أميزه.

المخرج المؤلف متفرج وحيد لمشاهد ألفها، أخرجها واجترها كجمل صابر يسأل عن وطنه فلسطين، وحين ينتهي لقاؤه في التلفزيون الأمريكي، وكان الأعلى في السخرية على مدار الفيلم، يذهب إلى عراف يخبره نعم ستكون هناك فلسطين، يمكن أن يحدث هذا ولكن ليس في حياتي أو حياتك. يشرب مع لبناني في مقهى عرب وصوت وديع الصافي خمرة الحب اسقنيها.. جدول لا ماء فيه، وجملة كما أفلامنا المصرية بواقعيتها المباشرة وما بها خطابة عربية، "نحن في كل البلاد العربية نشرب لكي ننسى أما أنتم الفلسطينيون، تشربون لكي تتذكروا". نعم الذاكرة الفلسطينية همه وشغله الشاغل في كل أفلامه، هذا المبدع الفلسطيني الذي ولد بإسرائيل. في مشهد العودة، يقدم عرضا طريفا حيث يلاعب ضابط التفتيش في المطار بعصا التفتيش وكأن لديه مجالا مغناطيسيا يجذب العصا. ويجذب المتشككين.

لا يمكن أن تكون الجنة في أي من هذه المحطات، فرنسا أو أمريكا، وها هو في ملهى ليلي بوطنه السليب حيث يرقص شباب وفتيات على أغنية شهيرة "عربي أنا.." يعلو حماسهم وهو يراقب. اختفاء نحو السواد وكتابة على الشاشة إلى فلسطين، واسمين لصديقين وأبيه وأمه.

يمكن اعتبار أن هناك فيلم داخل فيلم، المخرج جعلنا نشاهده على الأقل في الفصل الأول، أو في الجزء الذي صور بفلسطين، مشروع العمل، السيناريو مقدم إلى شركة الإنتاج الفرنسية، المنتج رطن كثيرا باللغة الفرنسية وعلى وجه ايليا تعبير عدم الفهم، يتصور أن السبب اللغة فيخبره بالإنجليزية "هل فهمت ما قلت؟" نحن وهو غير محتاجان للفهم، ليس هذا فيلما عن فلسطين كما يرغب أن يراه الآخر.

أنهيت مشاهدتي الثانية وقد عقدت العزم على منح فيلم "إن شئت كما في السماء It Must Be Heaven" أفضل فيلم عربي أنتج عام 2019 ويليه فيلم "ستموت في العشرين" العمل الأول لأمجد أبو العلاء. وتمنيت أن تكون هناك جائزتين، إحداهما للعمل الأول يحصل عليها السوداني عن جدارة.

كان من المقرر أن تعلن الجائزة في مهرجان كان مايو 2020 الذي ألغي بسبب الجائحة، ولا ضرر من الترشيح حتى لا يضيع حق المبدعين في الالتفات إلى إنجازاتهم رغم تسيد الأخبار على كل ما عاداها.

سينماتك في ـ  10 أبريل 2020

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004