الهروب

إنتاج عام 1990

 
 
 

نشر هذا المقال في مجلة هنا البحرين في

 
 
 
 

بطاقة الفيلم

 

تمثيل: أحمد زكي + هالة صدقي + عبد العزيز مخيون + أبو بكر عزت + محمد وفيق + حسن حسني + زوزو نبيل

تأليف: مصطفى محرم*

تصوير: محسن نصر ـ مونتاج: نادية شكري ـ موسيقى: مودي الإمام ـ إنتاج: تاميدو للإنتاج والتوزيع (مدحت الشريف)

 
 
 

شاهد ألبوم صور كامل للفيلم

 

الهروب

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 
 
 
 
 
 

يتناول فيلم (الهروب - 1990) الكثير من الممارسات الخاطئة التي يعيشها الواقع المصري والعربي بشكل عام. فهو يتطرق ـ بالتحديد ـ لتلك الجراح الغائرة في حياتنا، من عنف وتطرف وإرهاب وغيرها، مؤكداً بأن بعض هذه الممارسات قد ساهم الإعلام وبعض أجهزة الدولة في تكريسها وانتشارها. كما أن الفيلم يتعرض لتلك المساحة التي تقع ما بين الحلم المجرد للإنسان العادي وبين الواقع الملوث الذي يحيطه. فالمساحة المسموح برؤيتها للإنسان الحالم بالغد الأفضل، تلزمه بأن يعي هذا الواقع الذي يعيشه والمناخ المحيط به، ومدى صلابة الأرض التي يقف عليها، ويعي ـ أيضاً ـ قواعد اللعبة وقوانينها، والتي هو طرف فيها سواء أراد أم لم يرد. وعليه أن يكون على دراية كبيرة بهذه اللعبة وقواعدها، حيث لا يكفي أن يدعي معرفتها، لأنها بالتالي ستحوِّل الأرض التي يقف عليها الى هوة عميقة يسقط فيها، ليجد نفسه مجبراً على مواجهة تلك القواعد والقوانين، والتي ـ بالطبع ـ سيقف عاجزاً أمامها.

ففي فيلم (الهروب) نحن أمام نمطين اجتماعيين.. الأول منتصر (أحمد زكي) الذي أجبرته الظروف المحيطة به على ارتكاب أكثر من جريمة، محاولاً الهروب من هذه الظروف الصعبة. والثاني هو ضابط المباحث سالم (عبدالعزيز مخيون)، وهو النقيض لشخصية منتصر والمكلف بالقبض عليه، مع إنه صديق طفولته وصباه وشبابه. هذا الضابط الذي وجد نفسه ـ أيضاً ـ طرفاً في لعبة قذرة فوق مستوى إرادته ومعرفته. هذان النمطان لم يكونا على دراية كافية بقوانين اللعبة ـ كما أسلفنا ـ لذا كان مصيرهما الهلاك في نهاية الفيلم.

يحكي الفيلم عن منتصر، الشاب الصعيدي الذي هجر قريته الى القاهرة سعياً وراء حلم زائف، يعمل في أحد المكاتب المشبوهة لتسفير العمالة المصرية الى الدول العربية، وهو يعلم مسبقاً إن مدير المكتب يقوم بتزوير تأشيرات الدخول وعقود العمل، بل إن منتصر نفسه يشارك في ذلك باعتباره لا يجرؤ على الاعتراض. إلا أنه ـ ذات مرة ـ يعترض لأسباب خاصة، فهو يكتشف بأن مدير المكتب يغازل ابنة عمه وخطيبته التي عقد قرانه عليها، كما أن العمال المسافرين هذه المرة هم أبناء قريته، فهو يعلم ماذا باعوا من ممتلكات لكي يتحقق سفرهم وحلمهم بالغد الأفضل. وتصل المواجهة بين منتصر ومدير المكتب الى التهديد، فيدبر الأخير مكيدة لمنتصر للتخلص من تهديده، حيث يوشي به للشرطة بعد أن يضع قطعة من المخدرات في غرفته التي يسكنها بسطح أحدى العمارات.

هنا يتحول الفيلم تحولاً واعياً في الرؤية والمعالجة، وذلك بعد أن يخرج منتصر من السجن ويبدأ رحلته بالانتقام. ربما نجد في شخصية منتصر ملامح من شخصية «سعيد مهران» بطل فيلم (اللص والكلاب)، إلا أن كاتب السيناريو (مصطفى محرم) يضيف الى شخصية فيلمه وقائع معاصرة حقيقية عن القاتل الذي استطاع أن يهرب من المحكمة قبل صدور الحكم ضده. وقد كان من الممكن أن تسود الفيلم حوادث الانتقام كما في (اللص والكلاب)، إلا أن سيناريو (الهروب) يحطم هذا القيد ـ بعد حادثتين فقط ـ ويتطرق الى عدة قضايا مهمة تضع المتفرج في مواجهة مناطق جديدة وبشكل جريء في الطرح. فهو مثلاً يتحدث عما يجري داخل جهاز الأمن حيث الانقسام وتباين وجهات النظر بين تياراتها أو المدارس المختلفة فيها، والتي يعبر عنها الضابطان (عبدالعزيز مخيون ـ محمد وفيق). فالأول يتنازعه إحساس بالواجب تجاه عمله كضابط وإحساسه تجاه بلدياته (أحمد زكي)، بينما نجد الثاني نموذجاً للضابط الانتهازي الذي هو على استعداد للتخلي عن كل القيم والمبادئ لتحقيق أهدافه. كما يتطرق السيناريو الى رد فعل جهاز الإعلام وتواطؤه مع جهاز الأمن في التهليل لحوادث منتصر وتضخيمها وجعله أسطورة إجرامية، ثم الحديث عن كفاءة أجهزة الأمن في القبض على منتصر، كل ذلك محاولة لشق الرأي العام وتغيير اتجاهه عن قضايا أكثر أهمية، مثل ذلك الفساد الذي يستشري حولهم.

أما علاقة منتصر بالراقصة (هالة صدقي)، فهي المرفأ الوحيد الذي يلجأ اليه منتصر بعد كل مطاردة، وهي ـ أيضاً ـ تعبر بشكل صارخ على أن منتصر يبحث عن الحب والحنان المفتقد لديه، كما أنها تأكيد على أن المشاعر الإنسانية قادرة على التواصل حتى بدون كلمات، حيث إن الاثنان لم يتعرفا على إسميهما إلا في اللقاء الأخير. ونصل الى الحدث الأخير لينتهي الفيلم بطلقات الرصاص التي تنهي حياة الاثنان معاً، منتصر الهارب من العدالة وسالم ضابط الشرطة الباحث عن العدالة.

في (الهروب)، نحن أمام فيلم يقدم مستوى فنياً جيداً، يصل به مخرجه عاطف الطيب الى درجة كبيرة من الإتقان، حيث نجح في إدارة فريقه الفني من فنانين وفنيين.. فتصوير «محسن نصر» وإضاءته قد حققا مستوى عالٍ من الحرفية، وخلقا الجو المتناسب مع الحدث الدرامي، كما نجح مدير التصوير في تجسيد عناصر التشويق والإثارة، فجاءت كاميرته لتعبر عن ذلك التوتر بحركتها الحرة في الأماكن المغلقة أو بالاهتزاز المتوتر عند التصوير فوق سطح القطار مثلاً.. هذا إضافة الى التعبير بالصورة والإضاءة الدرامية في مشاهد كثيرة، وبالذات في تجسيد العلاقة بين منتصر والصقور المحلقة بمصاحبة المؤثر الصوتي الجميل (صوت راعي الجمال) والمتناسب مع الموقف الدرامي، الذي استخدمه ـ وبشكل موفق ـ الموسيقي المبدع «مودي الإمام»، هذا الفنان الذي استطاعت موسيقاه أن تعمق الكادر السينمائي، وكانت جزءاً أساسياً في تكوين الصورة وليست ظلاً لها فحسب.

أما بالنسبة للتمثيل، فأحمد زكي ـ كعادته ـ متجدد ومتدفق، أضفى على دوره عفوية فطرية وصدق في الأداء، فكان مقنعاً بدرجة كبيرة، فهو بهذا الفيلم يقدم واحداً من أفضل أدواره، مستفيداً من لياقته البدنية إضافة الى لياقته الفنية، حيث كان هناك العديد من مشاهد المطاردات التي حرص أحمد زكي على أدائها بنفسه لتحقيق أعلى درجات الصدق.

 
 
 

*ملاحظة هامة:

·     تترات الفيلم تذكر بأن القصة والسيناريو والحوار للكاتب مصطفى محرم..

·     بعض المصادر تذكر بأن محرم كتب القصة فقط.. أما السيناريو والحوار فكتبه بشير الديك (ويكيبيديا، الموسوعة الحرة)

·      وكتب الناقد د.أحمد شوقي عبدالفتاح في كتابه عن بشير الديك، ما يلي:

(...لا بد أن نذكر أن شريط الفيلم يحوي اسم الكاتب السيناريست مصطفى محرم بدلاً من بشير الديك والحقيقة هي أن الراحل عاطف الطيب طلب من بشير أن يتدخل لإصلاح السيناريو الذي كان من وجهة نظره لا يصلح للتصوير. ومن المعروف أن بشير الديك كان يقرأ جميع سيناريوهات أفلام عاطف الطيب قبل تصويرها لإبداء ملاحظاته عليها، كصديق أولاً، وكمستشار فني لعاطف يثق في حكمه. ولما كان على بشير الديك أن يعيد كتابة السيناريو من الأول، طلب أن يحصل على أجره كاملاً، وهو ما وافق عليه عاطف الطيب والمنتج مدحت الشريف. وتمت إعادة كتابة السيناريو وفق الرؤية التبشيرية للشخصيات والأحداث. وقد طلب عاطف الطيب أن بكتب على الشريط اسم بشير إلا أن الأخير رفض وحلف بالطلاق أنه لن يقبل بذلك، لأنه سمع أن مصطفى محرم زعلان من هذه المسألة...).... (بشير الديك.. جدل الواقع والخيال ـ من اصدارات المهرجان القومي للسينما).

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004