|
في عيد
ميلاده الثمانين قبل عامين توقف يوسف شاهين عن حديثه فجأة وقال: "حاجة
غريبة.. هناك سيناريو ثابت في حياة كل انسان.. يتعب ويكافح ويحقق النجاح
ويصل إلي قمة النضج الفكري والانساني ثم بعد كل ذلك يموت في النهاية".
ومخرجنا الكبير هو أكثر مخرجي السينما المصرية والعربية تأثيرا في الداخل
والخارج فهو صاحب مدرسة مؤثرة وضعت مصر في معظم مهرجانات العالم ومكتشف
كبار النجوم وله تلاميذ مجيدين أثروا تاريخ السينما بالعديد من الأعمال
الناجحة وفي مقدمة كل هذا مجموعة كبيرة من الجوائز الدولية.
شاهين
مازال يعيش بيننا طالما ان أفلامه تحكي عن حياته وعن الناس في وطنه حتي
أصبح جزءا من ذاكرة السينما المصرية خلال 82 عاما هي كل حياته منها 60 عاما
مع السينما.
يعتقد
البعض ان يوسف شاهين لديه اهتمامات سياسية قديمة منذ الخمسينيات وبالتحديد
منذ فيلم "جميلة الجزائرية" ولكن شاهين يعترف ان هزيمة 1967 هي التي جعلته
يهتم بالسياسة فأخرج بعد الهزيمة أفلام "الأرض" و"الاختيار" و"العصفور"
و"عودة الابن الضال" وهي مرحلة ثرية في تاريخ يوسف شاهين وقد كانت محسنة
توفيق هي نجمة فيلم "العصفور" عندما انطلقت في الشارع ترفض الهزيمة وتصرخ
بأعلي صوتها صيحتها الشهيرة "حنحارب.. حنحارب".
تقول
محسنة توفيق: لقد عشت لحظة الهزيمة في الحقيقة وخرجت للشارع مع الناس يومي
8 و9 يونيو لذلك كانت اجادتي لدور بهية في العصفور وقمت بدور أمه في فيلم "اسكندرية
ليه" واشتركت في فيلم "الوداع يا بونابرت" وأنا أعتقد أن يوسف شاهين ظلمته
السينما المصرية لأنه عاش ظروف صعبة جدا وتعرض لمشاكل انتاجية واضطر إلي
اللجوء للانتاج المشترك بينما لو كانت لدينا نهضة سينمائية حقيقية كان
سيتفرغ للابداع بعيدا عن هذه المشاكل سواء انتاجية أو رقابية.
وتضيف
محسنة توفيق كان من المفترض أن أقوم بدور صديقة في فيلم "اليوم السادس"
لكنني فوجئت بأن داليدا قامت بالدور رغم استعدادي النفسي والتحدي لتقديم
أفضل مستوي عندي ولكن الظروف حالت دون قيامي بهذا الدور.
الوجوه
الجديدة
اكتشف
يوسف شاهين العديد من الوجوه الجديدة في التمثيل علي مدار رحلته الفنية
بدأت بإعطاء شكري سرحان أول بطولة في فيلم "ابن النيل" عام 1951 ثم اكتشف
عمر الشريف ومنحه أول بطولة في فيلم "صراع في الوادي" عام 1954 وقدم ماجدة
الرومي لأول مرة في فيلم "عودة الابن الضال" ومحسن محيي الدين في "اسكندرية
ليه" و"حدوتة مصرية" وعمرو عبدالجليل في "اسكندرية كمان وكمان" وخالد
النبوي وحنان ترك في "المهاجر" 1994 وهاني سلامة في "المصير" 1997وأحمد
وفيق في "سكوت حنصور" وأحمد يحيي ويسرا اللوزي في "اسكندرية- نيويورك"
بالاضافة إلي المخرجين خالد يوسف الذي اكتشفه وهو مازال طالبا في كلية
الهندسة ويسري نصر الله وعلي بدر خان وأشرف فهمي وعاطف الطيب وداود
عبدالسيد ورضوان الكاشف وعاطف حتاتة.
يقول
الفنان سيف عبدالرحمن: تعرفت علي "جو" عام 1964 ومن يومها أصبحنا أصدقاء
حتي الآن اشتركت معه تقريبا في جميع الأفلام ولا يهمني الدور سواء كبيرا أو
صغيرا رغم ان بداية معرفتي به كانت من خلال بطولتي لفيلم "فجر يوم جديد"
أمام الفنانة الكبيرة سناء جميل وغير صحيح ان شاهين يريد من الممثل ان يمثل
بطريقته بالعكس هو يكون عنده تصور كامل للدور ويشحن الممثل ثم يتركه بعد
ذلك يؤدي الدور هو وبراعته وأجمل أدواري كانت في فيلم "الاختيار" لأنني كنت
أمام الممثل العملاق محمود المليجي.
عرف شاهين
الجوائز منذ عام 1970 عندما حصل علي جائزة التانيت الذهبي في مهرجان قرطاج
عن مجمل أعماله ثم حصل علي جائزة الدب الذهبي من مهرجان برلين عن "اسكندرية
ليه" عام 1979 وقبل عشر سنوات حصل علي سعفة اليوبيل الذهبي لمهرجان كان وهو
أكبر تكريم دولي يحصل عليه إلي جانب حصوله علي الدكتوراة الفخرية من جامعة
السوربون عام 1997 والدكتوراة الفخرية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة 2002
ومن بيروت 2007 ووسام جوقة الشرف برتبة قائد "كومادور" من الرئيس جاك شيراك
عام 2006 وجائزة مبارك للفنون عام 2007 وقد تبرع بقيمتها المادية لمشروعات
تخرج طلبة معهد السينما لإنشاء جائزة سنوية لأوائل المعهد تحمل اسمه.
يقول
المخرج خالد يوسف: من المؤكد ان شاهين لم يسع إلي الجوائز بينما الجوائز هي
التي سعت إليه والدليل علي ذلك جائزة اليوبيل الذهبي في "كان" حيث اشترك
فيلمه "المصير" بالمسابقة الرسمية في آخر لحظة وكان من المقرر عرضه خارج
المسابقة الحكاية باختصار أن السينما عند يوسف شاهين هي مشروع حياته الوحيد
لذلك فهو يعمل مخرجاً سينمائياً طوال الأربعة وعشرين ساعة ولا أنسي ما حدث
في بيروت عندما منحته الجامعة الأمريكية هناك الدكتوراة الفخرية وكان
مريضاً فأرسل "كاميرا" لتوضع علي مقعده وبالفعل وضعوا علي الكاميرا روب
الجامعة وقبعة الدكتوراه وكان ذلك من أطرف المواقف في حياتي شخصياً. ويعتقد
شاهين أن النجاح يحتاج إلي "الموهبة" و"العمل الجاد" و"الحظ" وهذا يدل إنه
شخصية عادية ولكنه له نظره مختلفة للناس والحياة والسينما. ومن هنا يجيء
تميزه واختلاف أعماله عن غيره من المخرجين.
السيرة
الذاتية
* في
رباعية يوسف شاهين عن سيرته الذاتية لا تعرف بالتحديد هل تحدث عن نفسه أم
عن وطنه فقد امتزج الخاص بالعام. تحدث عن أسرته وأصدقائه في كلية فكتوريا
بالاسكندرية وبداياته في العمل بالسينما والمهرجانات التي اشترك فيها
وعلاقته المتوترة دائماً بالسلطة وعشقه الدائم للحرية..
* تقول د.
سعاد شوقي الحاصلة علي الماجستير في سينما يوسف شاهين: عرضه لحياته الشخصية
لا يعتبر نرجسية أو تمجيد للأنا. إنما يتحدث عن نفسه ليكتشفها ويكشف معها
تناقضاته وهواجسه وتربيته وأفكاره وضعفه وقوته وعائلته ومجتمعه. لقد تعمق
في واقع مصر الاجتماعي والسياسي وقام بالتعبير عن الوعي والذاكرة والماضي
والأنا. واعتبر الإسكندرية نموذجا للتسامح من خلال ثلاثة أصدقاء محسن
المسلم ويحيي المسيحي وديفيد اليهودي.. وفي "حدوته مصرية" عرض 22 سنة من
حياته خلال ساعتين من البناء الدرامي المحكم تحري الصدق واختلط الخيال
بالحقيقة مع وجود خلفية سياسية لكل أحداث حياته الشخصية منذ الاحتلال
الانجليزي والملك فاروق حتي وصول عبدالناصر إلي السلطة ثم الهزيمة والتنحي.
ومشاكل المخرج مع الرقابة في السبعينيات وفي النهاية يدخل غرفة العمليات
ويجري عملية القلب المفتوح ويتصالح مع ذاته ويغفر كل عذابات الماضي بعد أن
حقق ذاته وأصبح مخرجاً ناجحاً.
وتضيف
سعاد شوقي: تمثل مرحلة التسعينيات في إبداع شاهين مرحلة النضج الفني قدم
خلالها "اسكندرية كمان وكمان" و"المهاجر" و"المصير" و"الآخر" وفي مطلع
القرن الواحد والعشرين قدم "سكوت حنصور" و"اسكندرية نيويورك" و"هي فوضي"
وكلها تعبر عن الجدل الخاص للمخرج بين الأنا والآخر والمجتمع والسلطة وعودة
أيضاً إلي الماضي من أجل التطلع إلي مستقبل أفضل ومجتمع ديمقراطي عاش
المخرج طول حياته يحلم بأن يصبح حقيقة.
الجمهورية المصرية في 26
يونيو 2008
|