اضغط للتعرف على صاحب "سينماتك" والإطلاع على كتبه في السينما وكل ما كتبه في الصحافة Our Logo
 

  حول الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

 

كتبوا في السينما

 

 

خاص بـ"سينماتك"

ملفات خاصة

أخبار ومحطات

سينماتك ملتيميديا

إبحث في سينماتك

إحصائيات استخدام الموقع

 

 

أرادوا «تكريم الأب».. فحولوا عمله إلى كائن ليس له رأس أو أطراف

خلطة «السياسة بالبيزنس » فى «ليلة البيبى دول»

أحمد يوسف

 

     

  

أرجو أن يمهلنى القارئ قليلا حتى ألتقط أنفاسى بعد أن شاهدت فيلم "ليلة البيبى دول"، الذى تشعر فيه وكأنك قد دخلت إلى متاهة تعود فيها دائما إلى حيث بدأت، بسبب التعقيد المصطنع فى شكله الذى لا يهدف إلا إلى الإبهار الزائف فى معظم الأحيان، والحقيقة أنه يمكنك بقدر قليل من التأمل أن تلحظ أن الفيلم ليس إلا فيلمين، حيث أميل إلى الاعتقاد أن كاتب السيناريو الراحل عبدالحى أديب صاحب الخبرة الطويلة بدأه فيلما بسيطا، ذا حبكة تقليدية تتبع أسلوبا سرديا يسير مع الزمن فى سيره المعتاد، وتدور أحداثه فى ليلة واحدة، ويسعى إلى رسالة تجمع بين السخرية والمرارة، لكن محاولة ما أضافت لهذا الخط فيلما آخر، يقفز بين الماضى والحاضر على نحو شديد الاضطراب، ويحاول أن يقول كل شيء عن كل شيء فلم يقل شيئا ذا معنى، وربما قال أيضا آراء مضطربة متناقضة ومشوشة أو حتى مغلوطة. فهل يكون السبب أن أصحاب شركة الإنتاج أرادوا تكريم الأب كاتب السيناريو بصنع فيلم "ضخم" عن آخر كتاباته، فإذا بالضخامة تتحول إلى كائن ليست له رأس أو أطراف، أو كأنه الغول الأعمى الذى يحطم كل ما يقابله كما فى ملحمة أوديسيوس؟! 

إليك أولا الفيلم البسيط الذى تدور أحداثه فى ليلة رأس السنة بين عامى 2007 و2008، حيث نرى حسام (محمود عبدالعزيز) يعود من نيويورك مصطحبا وفدا سياحيا لصالح شركة خاله عزمى (عزت أبوعوف)، لكن هدف الوفد هو إقامة مؤتمر للسلام فى القاهرة ينادى بأن حل الخلافات بين الشعوب يمكن أن يأتى عن طريق "البيزنس"، وعلى رأس الوفد الأمريكية اليهودية سارة (ليلى علوي) التى تؤمن بالسلام حقا لأنها حفيدة ضحايا الهولوكست، ومعها زميلها الضابط المتقاعد العجوز بيتر (جميل راتب) الذى لا يؤمن إلا بالقوة وفرض الأمر الواقع. كل هذه التفاصيل سوف يعرفها المتفرج لاحقا من خلال شذرات متناثرة، أما الأهم الآن فهو أن بطلنا حسام يشتاق إلى زوجته عازفة التشيللو سميحة (سولاف فواخرجي)، لذلك اشترى لها من أمريكا رداء البيبى دول، وتجرع أدوية منشطة، ممنيا النفس بقضاء ليلة ساخنة بعد وصوله. إن دار فى ذهنك سؤال عن الفارق فى العمر بين محمود عبدالعزيز وسولاف فواخرجى، الذى يبدو أن اختيارهما أتى لأهداف "الأفيش"، فسوف يحاول صناع الفيلم أن يجدوا حلا أرجو أن تصبر معى لشرحه، فحسام كانت له زوجة سابقة راحلة سيأتى ذكرها فيما بعد، وهو قد أصيب فى حرب أكتوبر بالعقم (وهذا فيما يبدو قَدَر محمود عبدالعزيز منذ فيلم "حتى آخر العمر"!!)، وقد قضى مؤخرا عاما كاملا للعلاج فى أمريكا (لماذا انتظر ثلاثين عاما حتى أصبح فى الستين من العمر؟!)، وهى كما ترى تفاصيل لا تعنى أى شيء فقد كان يكفى لهفته على لقاء زوجته بعد فراق طويل. 

سوف يقضى محمود عبدالعزيز بقية الفيلم فى التعبير بالفرسكة عن هذا الشوق، كما سوف تكرر سولاف "إفيه" هورموناتها "البايظة"، فكل محاولة لانفرادهما تنتهى إلى الإخفاق. ليه؟! هنا يأتى الخط الثانى للسيناريو، حيث تضيع حقيبة حسام (وبها البيبى دول) فى اختلاط بالمصادفة (وكم هى كثيرة مصادفات الفيلم شديدة الاصطناع) مع حقيبة طبق الأصل خاصة بالإرهابى الدولى (على طريقة أسامة بن لادن) ويدعى عوضين (نور الشريف)، زرع متفجرات فى الفندق الذى يقيم به الوفد الأمريكى إياه، وبتلك الحقيبة "الريموت كونترول" الخاص بالتفجير، ومن محاسن الصدف (وأسوأها دراميا) أن تتبدل الحقائب فى تاكسى يملكه شكرى (جمال سليمان)، الذى هو بالمصادفة أيضا زميل عوضين فى الإرهاب، وصديق قديم لحسام من أيام الجامعة والنضال الوطنى والمعارضة السياسية. فهمت حاجة؟! 

تنتهى بالفشل كل من محاولة حسام الجنسية بالاختلاء بزوجته، ومحاولة عوضين الإرهابية لتفجير الفندق، وهذان الفشلان يجسدان على الأقل فكرة بسيطة طريفة، خاصة أنها تدور فى ليلة واحدة مثل العديد من الأفلام الأجنبية والمصرية، التى تعتبر تنويعا على نمط "فيلم الرحلة" التى يتم فيها اكتشاف عشرات الحقائق فى زمن مكثف، لكن الإخوة أديب حولوا هذه الرحلة القصيرة إلى "كشكول" يطوف بأزمنة متعددة لا علاقة لها على الإطلاق بدراما الفيلم، ونؤكد مرة أخرى أننا نتحدث عن الدراما وليس موضوع الفيلم، وقد كان على صانع الفيلم فى النهاية (خاصة مخرجه عادل أديب) أن يسأل نفسه عندما جلس إلى طاولة المونتاج: هل لهذا المشهد أو ذاك علاقة بالدراما؟ هل يجعل الفيلم يتصاعد إلى ذروته؟ هل يؤدى إلى أن يصبح المتفرج أكثر ذوبانا فى عالم الفيلم؟ وللأسف فإن الإجابة عن كل هذه الأسئلة هي: لا! 

أعتقد أننا لسنا فى حاجة إلى التأكيد على أن أسلوب القفز فى الزمن أصبح مطروقا فى الآونة الأخيرة، وربما كان آخر الأمثلة التى تناولناها على هذه الصفحة كان فيلم سيدنى لوميت "ليتك تموت قبل أن يعرف الشيطان بموتك"، لكنك لا يمكن أن تحذف من مثل هذا الفيلم مشهدا واحدا لأن لها جميعا علاقة وثيقة بالدراما، أما فى "البيبى دول" فإليك بعض الأمثلة على مشاهد يمكن حذفها دون أن يفتقد المتفرج شيئا بل ربما زاد فهمه لسياق الأحداث: فى بداية الفيلم نحن مع حسام فى أمريكا، ليتذكر أحداث الحادى عشر من سبتمبر بالصورة والصوت، فما علاقة ذلك بالأحداث السابقة أو اللاحقة؟ ثم مشهد آخر عن حانة رخيصة فى هارلم يتعرض فيها حسام لتحرش رجل أمريكى عنصرى، ومرة أخرى يكون السبب فى هذا المشهد متعسفا، إذ يتذكر حسام (فجأة وبدون مناسبة) كيف أن زميله عصام (مصطفى هريدي) قال فى تلك الحانة إنهما مسلمان!! أما شخصية الإرهابى عوضين فحكايته طويلة، تبدأ من عمله مراسلا صحفيا فى العراق، لتقبض عليه قوات الاحتلال الأمريكى بتهمة التعاون مع المقاومة، وفى سجن أبوغريب ينتهى به التعذيب الوحشى لفقدان رجولته، وهذا ما جعله إرهابيا يسعى إلى "الانتقام"!! وبالمصادفة أيضا فإن الخواجة بيتر عضو فوج رجال الأعمال ومؤتمر السلام كان القائد العسكرى السابق لسجن أبوغريب!! (مرة أخري: فهمت حاجة؟!). 

بالإضافة إلى هذه المشاهد المقحمة أو المصطنعة على أقل تقدير، فإن التشوش الأكبر يأتى من "حشر" العديد من الشخصيات التى قد نلمس فيها إشارة لشخصيات حقيقية (هل كانت الشركة المنتجة لا تزال متأثرة بأجواء فيلمها السابق "عمارة يعقوبيان"، أم لمجرد خلق أدوار لحشد أكبر عدد من "النجوم" كما يطلقون عليهم؟)، لكن هذه الشخصيات تتحول ـ بالمعنى الدرامى دائما ـ إلى استطرادات وثرثرة. ففجأة، وبالمصادفة مرة أخرى، يلتقى المراسل عوضين فى فندق ببغداد بزميلة أمريكية يهودية (بالمناسبة كل الأمريكان اليهود فى الفيلم شخصيات طيبة جدا!) تدعى ليلى خورى، وهى من أصول مصرية، ويجمعها حب قديم مع عوضين، لذلك يفيض اللقاء بالدموع وينتهى بوعد بالزواج الذى تأخر طويلا، لكن ليلى تذهب إلى الضفة الغربية فى فلسطين لتدافع عن اللاجئين (لاجئين فى الضفة الغربية؟!!!)، وتلقى مصرعها تحت جرار عسكرى إسرائيلى، وهأنت فهمت الفولة: إنها تشير إلى راشيل كوري! ونحن والله العظيم لسنا ضد صنع أفلام عن هؤلاء لكن ما علاقتهم بدراما "هذا" الفيلم؟ خذ عندك أيضاً: حكاية الزواج السابق لحسام بمراسلة صحفية (برضه!! كلهم مراسلون صحفيون؟!) تدعى ثريا (نيكول سابا) تنضم فجأة إلى المقاومة الفلسطينية لتلقى مصرعها فى حادث الحصار الشهير لكنيسة المهد ببيت لحم. (المفترض أيضا أن نصدق أن نيكول سابا ومحمود عبدالعزيز كانا زميلين فى الجامعة!). 

هكذا يمضى "الكشكول ـ بالمرة ـ باشتراك شكرى (صديق حسام وعوضين اللذين لا يعرفان بعضهما!!) فى مظاهرات سلالم نقابة الصحفيين ليتلقى ضربة تركت ندبة على جبينه. وهل أحكى لك أيضا عن علا غانم (التى ليست لها أى شخصية تلعبها فى الفيلم) وهى ترقص رقصا تعبيريا وتتعرض للاغتصاب فى "كباريه" فى بغداد لينتهى المشهد بانتحار ضابط أمريكي؟ (عندما ترى الفيلم أرجو منك أن تشرح لى مغزى هذا المشهد). لن ينتهى المقال إذا مضيت فى ضرب هذه الأمثلة، لكن الفيلم فى التحليل الأخير قد يؤكد قدرة عادل أديب على صنع لقطات أو مشاهد منفردة ومتميزة، مثل تأمل الكاميرا لآلة التشيللو ثم بعض منحنيات جسد العازفة سميحة كأنها امتداد للآلة الموسيقية، أو مشهد اللقاء العاطفى العاصف بين عوضين وليلى خورى الذى أجادت فيه بحق غادة عبدالرازق، أو محاولة تقديم تنويع أكثر اتزانا وواقعية على شخصية "لمبي" فى سائق التاكسى زغلول (أحمد مكى ممثلا حقيقيا وليس مجرد مضحك). لكن تأمل معى النهاية، فى مواجهة عوضين مع ضابط الأمن محسن أبوالنجا (محمود حميدة)، حيث يدور نقاش كأنه فى برنامج "توك شو" وليس لحظة درامية شديدة التوتر، لينتهى إلى أن دوافع الإرهاب هى الانتقام الوحشى (هكذا بكل بساطة!)، ولقد كانت مصادفة سعيدة أن يعرض الفيلم مع تمديد قانون الطوارئ، وعلينا أن ننتظر لنرى كل ما سوف تتحفنا به شركة جودنيوز من مصادفات سعيدة أخرى، خاصة أنها تركت الباب مفتوحا أمام فكرة تحقيق السلام عن طريق "البيزنس"، بشرط أن يتراجع بيتر، ويترك الأمر لسارة الأمريكية الجميلة التى تفهم لماذا يكره الشعب العربى الأمريكيين، وشطارة سارة وجودنيوز أن تجعلنا نحبهم لأن سبب البلاوى هو جورج بوش. شايف "خلطة السياسة بالبيزنس" سهلة ولذيذة إزاي؟! 

العربي المصرية في 9 يونيو 2008