تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

ملفات خاصة

جديدالسينما

سينماتك ملتيميديا

إبحث في سينماتك

إحصائيات استخدام الموقع

سينما المرأة الإيرانية وحلم الحرية

نظرة على أفلام محسن مخملباف ومخرجات مدرسته.

خالد ربيع السيد

 

السينمائي الإيراني يلجأ إلى الرمز والإيحاء والإشارة الخاطفة .. ، هذا ما يمكن إلتقاطه بسهولة من خلال تتبع الأفلام الإيرانية ذات الصبغة الإحترافية العالمية، فهو يوظف "الرمز البصري"، للدلالة على معان قد تكون عميقة أو بسيطة، لكنها ثرية في كل حال، مثلاً يستخدم البالون الأبيض المنطلق في السماء للتعبير عن الرغبة في الحرية كما في فيلم (البالون الأبيض) لجعفر بناهي، وقد يستخدم "الرمز الدرامي" كالذي وظفه عباس كياروستمي في فيلمه ( طعم الكرز) الحائز على السعفة الذهبية في مهرجان كان 1997م، حيث يتناول الفيلم لحظات تأزم في حياة مثقف إيراني يريد الانتحار وتكمن مشكلته في أنه يظل يبحث طوال الفيلم عن شخص يدفنه، ثم يلتقي بعامل حديقة بسيط، ويعرض عليه أمر دفنه بعد إنتحاره، فيحاوره ببساطة وتلقائية موغلة في الفلسفة والحكمة ويستطيع بمنطقه المقنع أن يثنيه عن رغبته في الإنتحار .. مع هذا الجنايني يجتهد في الشرح للبطل المثقف بأن الحياة جميلة وتستحق أن تعاش لأن أحدهم صعد الى شجرة كرز ليربط حبلاً يخنق به رقبته وأثناء تعلقه بالجذع أخذ حبة كرز وأكلها، فوجد فيها حلاوة الحياة وتراجع عن عزمه .. بكل تأكيد الفيلم يمثّل إدانة وصفعة للمجتمع والنظام الإيراني الذي يدفع الفرد إلى الجنون لدرجة الرغبة في الانتحار، ولكن في ذات اللحظة يمجد الحياة وينتصر للإنسانية.

هناك أيضاً "الرمز الديني" العابر أو المكثّف، نجده حاضراً في كثير من مشاهد فيلم (ألوان الجنة) للمخرج مجيد مجيدي، وكذلك في بعض المشاهد في فيلم "السلاحف تستطيع الطيران" للمخرج بهمن غوبادي.

غير أن "الرمز الذكوري" يشخص واضحاً في فيلم (باران) لمجيد مجيدي، وفي فيلم (أسامة) للمخرج صديق باراماك، الذي بدأه بمقوله نيلسون مانديلا: لا أستطيع النسيان لكن أستطيع الغفران ” إذ يقودنا الفيلم الى عدم نسيان أفعال حزب طالبان وإدانة حكمهم وفكرهم ،وهو يتحدث فيه عن امرأة خسرت عملها بعد ان اغلق نظام طالبان المستشفى الذي تعمل به ، وبسبب القانون الذي يحرم ظهور المرأة من دون محرم , اظطرت هذه المرأة للبقاء في المنزل بسبب وفاة زوجها واخوها , ومع ازدياد الفقر والجوع لجئت هذه المرأة لتنكير إبنتها على شكل ولد حتى تستطيع الظهور معه وكأنه محرم ، وأطلقت على هذا الولد إسم "أسامة"، وتبدأ رحلة الخوف والقلق من الانكشاف، لكن يتمّ ضبطها وينكشف أمرها، ولصيانتها يحكم الشيخ الطالبانيّ بتزويجها قسراً لرجلٍ مُسنٍّ يُضيفها إلى "حريمه" المحبوسات في داره!. الفيلم تجريم للذكورة الطالبانية بكل أبعادها الإجتماعية الضاربة في التخلف والتعسف.  الفيلم حاز على ثلاثة جوائز في مهرجان كان 2003م، وعلى جائزة الغولدن غلوب كأفضل فيلم أجنبيب ، وحاز الجائزة الاولى لمهرجان الافلام والاساليب الجديدة بمونتريال 2003، والفيلم رغم أفغانيته نستطيع إدراجه في قبيلة السينما الإيرانية لتأثر المخرج صديق باراماك بأساليب السينما الإيرانية، لا سيما وأن جل الطاقم افني للفيلم من الإيرانيين ..

هناك كذلك "الرمز الموسيقي" الموحي بالتنفيس والتوق الى الخلاص من الضيق والتأزم كما في موسيقى حسين عليزاده في فيلم "السلاحف تستطيع الطيران" الآنف الذكر .

لكن في مقروئية عابرة، نجد أن بعض هذه الرموز لا يمكن فهمها بسهولة من قبل المتفرج البعيد عن الثقافة الإيرانية، ففي فيلم (العشاء الأخير) الذي حصل على إحدى الجوائز في مهرجان القاهرة السينمائي 2002 ، يتعمد المخرج إنتقاء أسماء لها رمزية خاصة.  فهو يقدم الزوج "محسن" بما يحمل هذا الإسم من دلالة دينية تكنوقراطية في إيران اليوم! ، ويقدمه كشخصية سلبية رئيسية في دور موظف كبير بوزارة العدل، شخصية محافظة دينياً ومتزمتة سياسيًا؛ بما يتناسب بهذه الوزارة التي تعد معقلا للسياسيين المحافظين، بينما كانت كل الشخصيات الإيجابية الأخرى في الفيلم، سواء الأم أو الشاب زميل ابنتها وزوجها فيما بعد، أو أبوه أو أخته تحمل أسماء فارسية أصيلة تنتصر لقيم الإنسان الإيراني بموروثاته العرقية والثقافية والأنثوجيوغرافية العامة .

هذه الرمزية لها جذورها في التراث الفارسي، سواء في قصص الحيوانات (وكلنا يتذكر عبد الله بن المقفع مترجم "كليلة ودمنة") أو في "شاه نامة الفردوسي"، ، ولا يغيب أن الرمزية في الثقافة الفارسية تستمد دعماً رئيساً من فكرة "التقية" عند الشيعة، والتي تمثل المأثور الشعبي الإيراني الديني، الذي ظل يستدعيها في روايات "التعزية" أو قصص مصارع شهداء آل البيت،والتي كان يؤديها الرجال فقط، تمشياً مع مبدأ التقية، للدرجة التي تؤدى فيها الأدوار النسائية بشخوص الرجال.

وبتسليط الضوء على تصريحات المخرج الإيراني محسن مخملباف صاحب "كان يا ما كان سينما"،"سلام ياسينما"، "الصمت"،"جنس وفلسفة"، "قندهار" ـ في حواره مع جيزيل خوري في قناة العربية (شهر يونيه 2009) عن عودته للتفاعل المباشر مع شؤون السياسة بعد ابتعاده عنها مدة ثلاثين سنة، وربطه لهذه العودة بدماء الشهيدة "ندا" التي قتلت على يد الشرطة الإيرانية.. نلمس التلميح في خطابه، وهو تلميح يشابه ذلك الذي يقدمه في أفلامه، إلى أنه كان هاجراً للشأن السياسي ومبتعداً عن همه، لكن من يتابع أعمال هذا المخرج المثقف يدرك تماماً بأن الرجل كان غارقاً طوال سني حياته في عمق السياسة بشقيها الإجتماعي والأيديولوجي، وأنه لم ينفصل عن نبض شعبه لحظة واحدة، وربما عرفت عائلة مخملباف بأنها الاكثر تميزاً بسببه، فقد أسس مدرسة في بيته يدرس فيها الفلسفة والسينما ليمنح العالم ثلاث مخرجات، إبنته سميرا مخملباف، ومرضية الزوجة الثانية له، وهانا أو هناء إبنته الصغرى التي أخرجت فيلما بعنوان "فرقة الجنون" سنة 2002

 أفلام آل مخملباف (مرضية وسميرا وهانا }أو هناء{) الأولى. جائت متماهية مع صورة إيران المحافظة التي كرّسها الوالي الفقيه والإمام السياسي، تلك الصورة الرصينة المبتعده عن مظاهر التحرر والحداثة، والنائية عن الأفكار التثويرية والتحريضية، فهي ملتزمة بعدم ظهور الممثلات وهن (متبرجات)، بإعتبار السفور وزينة المرأة مسألة مرفوضة جوهرياً في الثقافة الإيران الإمامية، لكنها رغم ذلك كانت أفلامهم مشحونة بلغة إيحائية معارضة تهمس في خفوت شديد وتأثير بالغ وتندد في صمت صارخ، ورغم ذلك يمكن الوقوف على أفلام مخملباف اللاحقة التي صنعها بعد إستقراره في أوروبا، وطرحه لموضوعات مناهضة للصورة النمطية المعروفة عن السينما الإيرانية المحافظة، لذلك إذا تأملنا جميع الأفلام التي كتبها أو أخرجها مخملباف لوجدنا أنها تحمل بذور الرفض والمناهضة في داخلها حتى وإن ظهرت محافظة شكلياً .

هذا التحول في مستوى حرية الإشتغال السينمائي عند مخملباف، يكشف أنه كان مسكوناً بالسياسة في جميع أفلامه حتى لو لم يعلنها صراحة، بل أنه كان ضد مظاهر المحافظة التي رضخ لها حيناً بسبب ضغوط الرقابة الحكومية الدينية، فعندما تهيأت له الفرصة في قول ما يريد، قال، وأنتج فناً رفيع المستوى مثل أفلامه: (الجنس والفلسفة) وَ(صرخة النمل)، الأمر الذي يؤكد أن التزامه السابق كان شكلياً فقط، خصوصاً فيما يتعلق بمسألة مشاركة المرأة في سينماه التي ينبغي أن يظهرها في لباس محتشم وحوارات لا تتطرق للمشاعر العاطفية أو التلميح الجنسي أو الحب، وكذلك الإبتعاد كلياً عن لغة الجسد من رقص أو تصوير مفاتن وجمايات الجسد الأنثوي، ناهيك عن لمس يد المرأة أو ملامسة المرأة لأي جزء من جسد الرجل ، أو حتى مجرد النظر بغنج أو دلال .. وما إلى ذلك من قائمة طويلة من الشروط الرقابية الصارمة.

في فيلم "جنس وفلسفة" وهو ممول فرنسياً، وأخرجه مخملباف في طاجيكتسان، يتجاوز فيه "التابو" المحرم في السينما الإيرانية السائدة منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وليس معنى هذا أن الفيلم يصور العلاقات الجنسية أو يظهر المشاهد عارية، بل المقصود أنه يتناول فيه موضوعا يعد من المحرمات في السينما الإيرانية الحديثة وهو موضوع العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة.
فهو يقدم منظوره الشخصي من جهة تأملاته الفلسفية التي ترتبط برجل تجاوز ما يسمى "منتصف العمر" وصار لزاما عليه أن يبدأ في طرح التساؤلات حول الجنس وعلاقته بالحب، وهل هناك حقا حب يدوم إلى الأبد أم أنه وهم، وبما يرتبط الوقوع في الحب، وغير ذلك من التساؤلات. غير ذلك فالفيلم يستند إلى بناء موسيقي يستخدم فيه الرقص التعبيري أي التعبير بالجسد الأنثوي في تكوينات موحية خلابة، وهو ما تسبب في منع عرض الفيلم رقابياً وشعبياً منذ أن أنجز عام 2003..

يفتتح الفيلم بطلنا هذا يقود سيارة في شارع فسيح مصفوف بالأشجار الكثيفة، وقد أشعل 40 شمعة وضعها أمامه في مقدمة السيارة، فهو يحتفل ببلوغه الأربعين. ونحن لا نرى البطل في البداية بل نرى الشموع والطريق من خلال زجاج السيارة الأمامي، ونسمع صوته عبر الهاتف المحمول وهو يتصل بالنساء الأربع اللاتي ارتبط بهن عاطفيا في حياته يطلب من كل واحدة - دون معرفة الأخريات- التوجه للقائه في مدرسة الرقص التعبيري التي يفترض أنه يشرف عليها. ويقدم مخملباف أربعة فصول مع كل واحدة من النساء الأربع، داخل مدرسة الرقص ولكن دون أن يكرر نفسه أبدا، من خلال مشاهد الرقص التي تشترك فيها - إلى جانب البطل والمرأة- مجموعة من الفتيات.

ويختلط الماضي بالحاضر من خلال العودة إلى لحظة الوقوع في الحب التي يصر بطلنا طوال الفيلم على أنه نتيجة "أمر تافه الشأن".

وحسب ما يوضح مع الحبيبة الثالثة "لولا أنني أصبت بإسهال وذهبت إلى المستشفى الذي كنت تعملين به لما كان الحب"! أما الحبيبة الرابعة فتفاجئه عندما تدعو ثلاثة رجال للاحتفال بعيد ميلاده وتعترف أمام الجميع بأنها كانت تتخذ الأربعة عشاقا في وقت واحد حيث كانت تبحث عن الحب في كل منهم، وهي نفس فلسفة بطلنا في البحث عن السعادة.

يطرح مخملباف رؤيته من خلال طرح التساؤلات حول مغزى الحب: كيف ينتقل من مستوى إلى آخر، من الحب الرومانسي المطلق إلى الغيرة والرغبة في السيطرة إلى إعلاء الجنس على قيمة الحب إلى محاولة إعادة خلق الحب.

ويذهب أكثر من ذلك عندما يجعل بطله المتشكك في مفهوم السعادة عن طريق الحب يستخدم ساعة يمكن التحكم فيها لقياس لحظات السعادة في لحظات الحب.

وفي مشهد من الفيلم تحسب له الحبيبة الأولى لحظات سعادته حسب منطقه فتقول إنها لا تزيد عن 40 ساعة، أي بمعدل ساعة واحدة كل سنة من عمره!

هناك بالتأكيد رغبة في اعتبار الحب بمفهوم مخملباف متعارضا - على نحو ما - مع الجنس- حسب مفهومه الشخصي النابع من ثقافته، وانعكاس هذا على الفيلم باستبعاد كل احتمال لمشاهدة لقطات حميمية بين الرجل والمرأة، إلا أنه ترك المجال متاحا في مشاهد أخرى عديدة للتفسير والتأويل من خلال إشارات عديدة كامنة.

ويستخدم مخملباف تناول العشاق للخمر كمعادل للمتعة، والرقص التعبيري كمعادل للجنس، والموسيقى والشعر كمعادل للوجود من خلال الآخر.

وفي المشهد النهائي من الفيلم نرى البطل وقد أصبح أكثر إحساسا بالوحدة عما كان، وهو يعود فيلتقي مجددا بالمغني الأعمى وزوجته وينتهي الفيلم بالغناء.

قد يكون فيلم "جنس وفلسفة" من أكثر أفلام مخملباف تحررا وجرأة في السرد والشكل الفني. هنا لا يتميز الفيلم بما يميز عادة أفلام مخملباف أي المزج بين الطابع التسجيلي والطابع القصصي بل هناك تداعيات حرة تدور حول الفكرة التي تتركز حول الذات.

وللذكر، فإن من أهم المخرجات الايرانيات اللواتي تأثرن بمحسن مخملباف، و يزاولن عملهن بمثابرة ورؤية واضحة تصب في خانة إثراء الوعي بقضايا الإنسان والمرأة في إيران : المخرجة راخشان بني إعتماد 50 عاما ، قدمت فيلم "نرجس" ، في تناول شفيف عن علاقة الرجل بالمرأة، وكذلك المخرجة تامينية ميلائي المولودة في تبريز 1960 ، وهي درست العمارة ثم اتجهت للسينما، تعرضت للسجن، لجرأتها في طرح إشكاليات إجتماعية وثقافية وسياسية، تدخل خاتمي لاطلاق سراحها، وأهم افلامها "النصف الخفي" 2001، وفيلم "ماذا أيضا جديد" 1993 وفيلم "أطفال الطلاق" إضافة إلى فيلم "سجن النساء" الذي يعد من أفلامها الضافية.

 في فيلمه (قندهار) يطرح مخملباف معاناة المرأة في بيئة ذكورية متسلطة، وفي فيلم إبنته هانا (بوذا انفجر خجلا) إنتحاء الى العلاقة الملتبسة بين الرجل والمرأة، وفي فيلم (اليوم الذي أصبحتُ فيه امرأة) وهو من كتابته، وإخراج زوجته مرضية، نعي أليم للحالة التي وصلت إليها المرأة الإيرانية، فمن خلال ثلاثة قصص منفصلة متصلة تبث مرضية صورة سينمائية واعية، عن قصة إنسانية شديدة العذوبة وكالعادة شديدة البساطة، لتضع المشاهد عند الشعور بذلك اليوم الذي أصبحت فيه تلك الطفلة(حواء) امرأة، واليوم الذي أصبحت فيه تلك الشابة(آهون) امرأة، واليوم الذي أصبحت فيه العجوز(حورا) امرأة .

إنه وم واحد وثلاث أجيال، ثلاثة أعمار مختلفة، ثلاثة من النسوة يجابهن فيه يوم مفصلي في حياتهن، يخضنه باسلوبهن وفيه تشعر كل واحدة أن هذا اليوم هو اليوم الذي أصبحت فيه امرأة، بكل ما تحمله هذه الصفة من تبعات كينونة لم تختارها، وبكل الألم المنسرب لحظة إكتشاف كل واحدة أنها أصبحت امرأة في بيئة تحملها أوزاراً لم ترتكبها بعد باعتبارها منبع الفساد والرذيلة.

 

القصة الأولى : طفلة في التاسعة من العمر، فجأة تتحول حياتها من لهو ومرح الطفولة إلى أعباء المرأة وتحمل المسئوليات . . فاليوم عيد ميلادها التاسع وتفرض عليها أمها وجدتها أن تغطي شعرها وتستر جسدها بعباءة طويلة ، وأن تنتهي من اللهو واللعب من (حسن ابن الجيران) – وأن تلتزم بيتها ، وهي لا تفهم ما الذي حدث ما بين الأمس واليوم ، ثم تتذكر أمها أن الطفلة كانت قد ولدت في الثانية عشر ظهراً ، بينما الساعة الآن الحادية عشرة، إذاً فأمامها ساعة تستطيع أن تلهو فيها قبل أن تصبح امرأة ويفرض عليها كل هذا.

 

القصة الثانية : شابة في ريعان الصبا تشترك مع أقرانها في سباق للدراجات ويلاحقها زوجها محاولا منعها من هذا السباق وإعادتها للبيت، ولكنها تصر على الاستمرار ، فيهددها بالطلاق فلا تأبه .. يجمع رجال القرية ، ثم شيوخها كبراءها لينذرونها ويهددونها ولكنها تصر على الانطلاق والاستمرار.الفيلم عبارة عن حركة واحدة: فتيات ينطلقن على دراجات ..ثيمة واحدة وإفصاح ثري .

 

القصة الثالثة : عجوز ترث ميراثاً كبيراً في آخر أيامها، فتذهب الى سوق كبير لشراء كل ما كانت تتمنى وتحلم به طوال سنوات عمرها، منذ طفولتها، وحتى صباها وشبابها، وتقوم بفرش كل هذا المتاع على الشاطئ وتحت الشمس ، مستعرضة في لوحة فانتازية كل إقتنته، لكنها تراجع أحلامها وكل ما اشترت لتجد أن هناك ما نسيته، فتتذكر بعضه والبعض الآخر تنساه بالمرة.

كل هذا يشير للدور السياسي الذي لعبته سينما آل مخملباف (وغيرهم) في بث الوعي في عقول الشباب الإيراني وإشعال رغبة الثورة ضد وصاية رجال الدين والأولياء في حكومة "الثورة الإسلامية" المجحفة .

و إذا أضفنا إلى ذلك أفلاماً مثل "الدائرة" وَ"حالة تسلل" لجعفر بناهي و فيلم "لا أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية" للمخرج بهمن غوبادي، لوجدنا أن حالة الرفض للوضع السياسي القائم تكاد تكون عامة بين سينمائيي إيران.، و لن نبالغ إذا قلنا بأن السينما الإيرانية احتضنت بذور الثورة، بل نكون محقين إذا تنبهنا لذلك، لا سيما وأنها ساهمت في إنمائها في السنوات العشر الماضية ولم تغيب عن ميدان السياسة أبداً، وكان صوتها عالياً في بعض الأعمال، مرتهناً دائماً للفني والجمالي.

وبذكر الأصوات العالية وأشدها صخباً نجد فيلم "السحلية" الذي نجح تجارياً سنة2004  حتى أصبح الفيلم الأكثر رواجاً في السينما الإيرانية. وهو يقدم بشكل ساخر قصة لص محترف في تسلق الجدران والأسوار، ويدخل السجن بسبب سرقاته، ولكن تتهيأ له فرصة الهرب من السجن بعد تخفيه وإرتدائه لعمامة الأولياء، كان وجدها في مستشفى السجن أثناء إدعاءه المرض، وما أن يرتدى العمامة حتى يتمكن من الهرب بسهولة، ويصبح واعظاً مهيباً، له أتباع ومريدون يقدسون كلمته اتلتي يقولها، في رسالة واضحة مفادها الاعتراض على المكانة الاجتماعية التي يحظى بها الإمام والوالي لمجرد ارتدائه العمامة.

يقول محسن مخملباف لجيزيل خوري "كنت تلميذاً لخامنئي وشاركت في المظاهرات ضد نظام الشاه والآن أعود لنفس النقطة وأقف مع الشعب ضد الديكتاتورية والتسلط" واضعاً تصوراً لإيران التي يحلم بها والتي لا تبتعد كثيراً عن صورتها في عهد الشاه بهلوي الذي ثار ضده في نهاية السبعينيات.

ويعقب ، كانت إيران حينذاك أشبه بأوروبا تكفل حرية الفرد وحرية الفنان والإنسان بشكل عام، رجلاً كان أم امرأة، وكانت المطربة غوغوش رمزاً لهذه الحرية، وهي أشهر فنانات عهد الشاه، فقد غنّت ورقصت ومثلت في السينما بكل حرية حتى أصبحت نجمة عالمية، ثم تحولت إلى رمز صارخ لتلك الحقبة، إنها حلم جميل يداعب مخيلة مخملباف وبقية الإيرانيين الحداثيين، فكلما تأملوا واقعهم المؤسف الذي صنعته أوهام رجال الثورة الإمامية في بناء يوتوبيا مستحيلة .

وربما لا ندرك نحن غير الإيرانيين هذه الإسقاطات والرموز لكونها خارجة عن نطاق معرفتنا وثقافتنا أو لكوننا  ـ أحيانا ـ لا نريد أن نرى السينما الإيرانية إلا في إطار رومانسي أيديولوجي لا يرى فيها إلا نموذج لما يظنه سينما إسلامية تنجح وتصل للعالمية . . هذه العبارة قالها بكثير المنطق الإستشرافي الواعي .

ويواصل حديثه، أذكر أنني قابلت مخرجا إيرانيا اسمه فروج كريم في مهرجان مانهايم السينمائي بألمانيا سنة 1991م وكان يعرض فيلمه الأول "الفصل الأخير" وتناقشنا حول السينما الإيرانية وأبديت إعجابي بفيلم "الغريب والضباب" لبهرام بيضائي بوصفه فيلما يتنبأ بالثورة وبقدوم الإمام الخميني، وهنا ضحك قائلا إن هذا الفيلم بهائي ومليء بالرموز البهائية، و"الغريب" رمز للبهاء وليس للخميني وكل الإيرانيين قد فهموا هذا بسهولة.!

مثال آخر على هذا، فيلم "ذات الحجاب الأزرق" للمخرجة راخشان بني اعتماد، الفيلم ينتهج أسلوب الواقعية الطبيعية ويقدم علاقة رجل أعمال غني، بفتاة عاملة متمردة، بعد موت زوجته وعلاقة بناته به بعد زواجه من الفتاة، وكان الرمز الأساسي في الفيلم هو "الحجاب الأزرق" أو بالأحرى اللون الأزرق الذي هو في الثقافة الإيرانية لون العثمانيين السنة وهم الأعداء التقليديين للشيعة بلونهم الأسود المعروف! والتمرد عند الفتاة يتحول إلى تمرد عام ورفض سياسي من خلال هذه الجزئية الصغيرة. هذه الجزئيات والرموز والتحايلات لا تمر على الرقيب الإيراني أو المسئولين، لذلك أحيانا ترفض الأفلام وأحيانا أخرى يتم تهميشها وتوضع في دور عرض صغيرة وهكذا. ولكن حاليا هناك انفتاح كبير خاصة بعد انتخاب الرئيس خاتمي والذي أيده كل السينمائيين، وتعرف هذه السينما باسم سينما الثاني من خرداد (مايو) أي سينما ما بعد انتخاب "خاتمي".

ثم لا ننسى المخرجة سوزان تسليمي (54 عاما)، وهي من القبيلة المخملبافية (إن جاز التعبير)  حيث لا يفوت عملها الممتع ”كل الجحيم مراوغ “، فسوزان خرجت من معطف الانثروبولوجيا وانتقلت للسينما لتقدم "الطلاق على الطريقة الايرانية" وفيلم "انك تتحدث الانجليزية جيدا" وهو يتحدث عن الشباب الايراني المغترب في لندن. واخيراً المخرجة المتفردة مريم شهريار التي درست في اميركا وكان فيلمها الاول”بنات الشمس “ عام 1999 والذي تناول فيه اشكالية الهوية، الفيلم يحكي قصة فتاة ايرانية تعيل اسرتها ولكي تعمل في وسط ذكوري تحلق رأسها لتبدو رجلا تغازلها احدى العاملات وتطلب منها الزواج، تعاني كثيراً من تسلط صاحب المصنع وسلوكه الذكوري، وكيف يتفنن في اساءة معاملتها، الفيلم منع داخل ايران لكنه فاز بجائزة احسن فيلم في مهرجان مونتريال الدولي، متفوقا على 65 فيلما ويرسل الى نحو اربعين مهرجانا سينمائيا تقول شهريار: سئلت عن كثرة الرموز في الفيلم وهذا صحيح لان ما يهمني فقدان الشخصية الرئيسة في الفيلم لانوثتها من خلال حلق الشعر-رمز الانوثة .

إن سينما المرأة في ايران تتميز بوعي المخرجات الحاد لكينونة ذواتهن في إطار ماهو نسائي محلي خاص وإنساني عام بعيدا عن تسلط وقهر ونظرة الاخر المختلف.

سينماتك في 27 أغسطس 2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)