|
سنوات ضوئية | محمد رُضا
إنتحال
حلم
إذا ما انتشرت آفة ما في الأعوام
الأخيرة فهي آفة انتحال الشخصيات التي كان المنتحل يوماً يحلم
أن يكون
عليها٠
طبعاً، كلنا نمر بفترة نتخيّل فيها
أننا أناس آخرون: الكاتب يريد أن يصبح مثل توفيق الحكيم او
أرنست همنغواي، الممثل
غارق في حب مارلون براندو او آل باتشينو، او جيرالد بَتلر.
المخرج يحلم بأن يكون
ذات المخرج الذي سيصعد منصّة الأوسكار ويرفع الجائزة بيده ثم
يمضي الدقيقة الممنوحة
له في شكر الماما والبابا والمحامي ووكيل الأعمال ولا تنسى
الزوجة٠
وفي بعض الأحيان تختلط الأمور: الكاتب هو الذي يتصوّر أنه
مخرج، والمخرج هو الذي كان يريد أن يصبح ممثلاً، والممثل ربما
كان كوميديا
تلفزيونياً فاشلاً. كلنا، أعتقد، مررنا بذلك، لكن العاقلون
منّا فقط عاشوا اللحظات
واكتفوا منها وهي حين تزورهم تزورهم على نحو متباعد٠
لكن هناك فريق متزايد من الناس يعيش في وهم الشخصية الأخرى
التي تروق لهم ومن دون أن تكون شخصية حقيقية فعلاً٠
مثلاً، كَثُر عدد اولئك الذين يذيّلون توقيعهم بإسم "ناقد
سينمائي" وهو انتحال كان لابد أن يصدر عنه تشريعاً يحرّمه كما
يحرّم انتحال شخصية
طبيب ليمارس عمله منه. فالناقد ليس من شاهد فيلماً كل شهر او
حتى كل أسبوع وكتب
رأياً ما عنه. الناقد حالة يُصاب بها عاشقون متيّمون بالسينما
من سنوات مبكرة
يبدأون خلالها مشاهدة الأفلام عوض استنشقاء الهواء، ومتابعة
السينما بدلا من وجبات
الطعام٠
وأستطيع أن أذكر الكثير من الخصال
والصفات الأخرى التي على الناقد أن يتمتّع بها، لكن المشكلة لم
تعد وقفاً على
المتسارعين لاستخدام كلمتي "ناقد سينمائي". الأكثر فداحة
متمثّل بإؤلئك الذين
يطلقون على أنفسهم كلمة "مخرج" او "سينمائي". مؤخراً أحصيت نحو
80 إسم لأشخاص سمّى
كل واحد منهم أسمه مسبوقاً بإحدى هاتين الكلمتين- وهذا ما
استطعت
احصاءه٠
ربما لديه كاميرا دجيتال. ربما صوّر
بعض المشاهد وينتظر من يعاونه على تكملتها. ربما أخرج فيلماً
قصيراً او إثنين- او
ربما اشتغل على فيلم كليب موجود على اليوتيوب، لكن كل ذلك لا
يهم. المهم أن يشير
بأصبعه الى صدره ويقول: أنا سينمائي؟
إذا كنت
أنت سينمائي إذا من يكون يوسف شاهين او محمد خان او مارتن
سكورسيزي او أندريه
تاركوفسكي؟ زملاءك؟
قيمة التواضع ليست وحدها
المفقودة فيما سبق، بل قيمة الوعي بالذات والمسؤولية التي يجب
على كل فرد أن
يحملها. قيمة الصدق بين المرء ونفسه اولاً، ثم بينه وبين
الآخرين. والدرب متاح لمن
يرغب وكل يستطيع أن يحقق فيه رغم الصعاب (بل أن الصعاب هي جزء
من الرحلة) قدراً
حقيقياً، لكن أن لا ينجز شيئاً مما يقوله وينسب لنفسه الصفات
فإن ذلك يجعله، إذا لم
يكن يعلم، أضحوكة من يعلم٠
إنه
زمن صعب لا
تتحقق فيه الأحلام بسهولة وليست هناك حلولاً كتلك التي كنا
نسمعها كحكم مطلقة: كل
من سار على الدرب وصل. زمن لا يُتيح، بسبب ضراوته وعنفه النفسي
والإجتماعي
والسياسي، للراغبين في أن يحققوا أمانيهم إنجاز ما يريدون،
فينقلب الكثير منهم الى
تقمّص الشخصية التي لم يستطع تحقيقها فإذا به يعين نفسه الكاتب
او المخرج او الناقد
او أي شيء كان يحلم به٠
لا أتحدث هنا عن
الصحافة السينمائية والذين يكتبون الكتابات الترفيهية عن
السينما التي تشبه الأفلام
الترفيهية التي تنتجها السينما السائدة، فلا شأن لي بهؤلاء، بل
أتحدث عن الذين
يستخدمون صفة الناقد فيسرقون من نقّاد آخرين
بالعربية. وأكثر منهم من يترجم الآراء والتحليلات وينسبها الى
نفسه. صحيح أننا لا
نود أن نتحوّل الى شرطة، لكننا، نحن النقاد الحقيقيين، نخسر
أشغالنا بسبب هذه
الإغارات، فكيف لا ننبري لندافع عنها؟
ثم أن
المسألة ليست فقط خسارة أشغال. هي علي المستوى الثقافي أكبر من
ذلك. إنها تعميم
الجهل بين الناس بدءاً بالمسمّى ناقداً كونه يعمد الى المكتوب
فيعيد كتابته عوض أن
يبحث ويبني لنفسه الشخصية النقدية الصحيحة. لو فعل، لا أحد
يستطيع أن يرتاب في
موهبته وإبداعه. والنقد هو فعلياً موهبة وإبداع٠
عندي أن أقرأ لناقد يخطيء التحليل وأولويات الكتابة عن النقد
أفضل من أن أقرأ لناقد استلهم مادّته وكثيرون منهم يفعلون ذلك
من دون مشاهدة
الأفلام. الأول يحاول ويسعى وإذا كان مؤمنا بما يريد تحقيقه في
هذا المجال سيتقدّم.
الباقون يرتاحون في مجالسهم طالما أن صفحات
الكومبيوتر مفتوحة٠
وإذا كان منهم من يشاهد فيلماً في الشهر (ربما على الأقراص
المقرصنة) فبعد حين لا تعد المشاهدة تعني لهم شيئاً فقد
استساغوا النقل وامتهنوا
مهنة ينتحلون فيها حلماً
خاوياً .
http://www.shadowsandphantoms.blogspot.com/
مدونة "ظلال وأشباح" في 20 يناير 2010 |